راديو إكسبرس
البث المباشر
نظّمت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، يوم الأربعاء 17 دجنبر 2025، لقاءً حول موضوع الأخبار الزائفة: رؤى ومقاربات متقاطعة، بحضور وزير الشباب والثقافة والتواصل، ابتداءً من الساعة التاسعة والنصف صباحًا، بالمعهد الوطني للموسيقى والفن الكوريغرافي INSMAC، بجوار مسرح محمد الخامس بالرباط.
الحدث في ظاهره لقاء فكري، لكنه في جوهره اعتراف متأخر، وإن كان ضروريًا، بأننا أمام ظاهرة لم تعد تحتمل المعالجة السطحية أو ردود الفعل الظرفية. فالأخبار الزائفة لم تعد انحرافًا إعلاميًا عابرًا، بل تحولت إلى معضلة بنيوية تمس الوعي العام، وتعيد تشكيل علاقة المجتمع بالحقيقة.
منذ أربع سنوات على الأقل، كان واضحًا لمن يراقب المشهد بهدوء، أن سقف التحذير قد تم تجاوزه. لم نكن آنذاك أمام أخبار زائفة، بل أمام بدايات منظومة في طور التشكل. اليوم، لم تعد تلك المنظومة في طور النشوء، بل في مرحلة الاكتمال والانتشار. الأخبار الزائفة كبرت، تمددت، وتشعبت، وصارت لها مفاصل وامتدادات، بل وأدوات تنفيذ دقيقة، تكاد تشبه وحدات متخصصة في إنتاج التضليل وتدويره.
المسألة لم تعد تتعلق بصحة الخبر من عدمه، بل بطبيعة الفضاء الذي تصنعه هذه الأخبار. نحن أمام فضاء مستقطب، لا يعترف بالاختلاف، ولا يسمح بالتعدد. فضاء لا يحتكم إلى المنطق بقدر ما يحتكم إلى الهوية والانتماء. في هذا الفضاء، لا يناقش الرأي، بل يصنف، ولا تفكك الفكرة، بل تدان.
وهنا تبرز خصوصية الحالة المغربية. فالتضليل في المغرب لا يمكن مقاربته عبر إسقاط نماذج جاهزة، فرنسية كانت أو أمريكية، ولا عبر الاكتفاء ببلاغات تكذيب رسمية، مهما بلغت دقتها. لأن ما ينتج في المغرب ليس مجرد خبر كاذب، بل سردية كاملة، تخاض بها حرب روايات حقيقية.
يعتمد التضليل هنا على بناء رواية متماسكة، لها منطقها الداخلي، وشخصياتها المحددة، وأدوارها المرسومة بعناية. لكل شخصية لغتها، حركاتها، انفعالاتها، وحتى صمتها. تستعمل الدموع حين يلزم، وتوظف نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وربما غمزات العين، لصناعة إحساس بالحقيقة لا علاقة له بالوقائع.
إنه خير زائف، يقدم في ثوب التعاطف، ويسوق بوصفه دفاعًا عن المظلوم، بينما هو في جوهره أداة استقطاب وتعبئة. والسردية هنا لا تكتفي بنقل رواية، بل تفرض معناها، وتجرم كل من يحاول مساءلتها.
الأخطر أن هذه المنظومة لم تعد محصورة في الهوامش الرقمية، بل وجدت طريقها إلى مواقع تقدم نفسها باعتبارها صحفية، واتخذت من السردية التضليلية خطًا تحريريًا، حيث تختفي الحدود بين الخبر والرأي، بين الوقائع والتمثيل، وبين الإعلام والتجييش.
من هذا المنطلق، تكتسب هذه المبادرة أهميتها الحقيقية. فهي لا تطرح سؤال الأخبار الزائفة باعتبارها خللًا تقنيًا أو أخلاقيًا فقط، بل باعتبارها ظاهرة مركبة تمس الوعي، وتعيد تشكيل المجال العام. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس كيف نكذب الخبر الزائف، بل كيف نفكك السردية التي تقف خلفه.
ذلك هو التحدي الحقيقي. وتلك هي المعركة التي لا تخاض بالشعارات، بل بالفهم، وبإعادة الاعتبار للعقل النقدي، وللصحافة المهنية، باعتبارها خط الدفاع الأول عن الحقيقة.
![]()




