راديو إكسبرس
البث المباشر
في زمن غسق التفاهة الرقمية، حيث اختلط الحابل بالنابل وتحولت منصات التواصل إلى دكاكين مفتوحة لعرض بضائع الكلام الفاسد، لم يعد الخلط بين حرية التعبير و”الابتزاز الموجه” مجرد زلة قدم لصحفي أو هفوة لمدون، بل أمسى حرفة قائمة الذات، لها سماسرتها وزبناؤها وحساباتها البنكية. وفي خضم هذا العبث المستشري الذي يزكم الأنوف، يطفو على السطح نموذجان يبدوان في الظاهر كخطين متوازيين لا يلتقيان، لكنهما في عمق “البيزنيس” وتجارة الوهم يتقاطعان حد التطابق، ليكشفا لنا عن وجهين لعملة صدئة واحدة: هشام جيراندو الذي يطلق قذائفه الصوتية من وراء البحار، وحميد المهداوي الذي يحترف “الندب” وافتعال المظلومية من الداخل.
من مقهاه المريح في الخارج، حيث لا تكلف المعارضة سوى هاتف ذكي ورصيد أنترنيت، اختار جيراندو أن يفصل لنفسه جبة “المناضل الشرس”، محولا شاشته إلى منصة لإطلاق نار عشوائي لا يميز بين النقد البناء وبين التشهير الرخيص. فالرجل لم يكتفِ بممارسة حقه المزعوم في الاختلاف، بل تجاوز ذلك ليفتح مقاولة متخصصة في بيع الإثارة والتشكيك الممنهج في مؤسسات الدولة، مستغلا بعض القضايا الحساسة لينتقي منها بمبضع جراح فاشل ما يخدم أجندات وسرديات معادية للمغرب، لا تخفى على كل ذي بصيرة. وما خفي أعظم في كواليس المنصات الحمراء، حيث تعقد صفقات الدعم والترويج المتبادل مع وجوه أخرى تسبح في نفس المستنقع، في تبادل مفضوح للأدوار لا تحركه المبادئ، بل تحركه لغة الأرقام وعداد المشاهدات.
وعلى الضفة الأخرى، وتحديدا من الداخل، يطل علينا المهداوي، متدثرا بلبوس “الصحفي المستقل” الذي لا يشق له غبار، والمدافع الأشرس عن المستضعفين. لكن، وتحت يافطة هذه الشعارات الرنانة، يسلك مسارا لا يقل خطورة وفتكا بوعي المغاربة. فبدل أن يمارس الصحافة الاستقصائية الرزينة والنقد المؤسساتي المسؤول، يفضل الاستثمار في العويل اليومي، وتبخيس كل مجهود أو إنجاز، نافخا في رماد الحالات المعزولة ليقدمها للجمهور العريض على أنها “القاعدة”، وأن البلاد تسير بخطى حثيثة نحو الهاوية. هذا الأسلوب الماكر في الطرح، وإن كان يغلف نفسه بسلوفان “الغيرة على الوطن”، إلا أنه في نهاية المطاف يصب الماء البارد في نفس طاحونة السرديات العدمية التي يروج لها أمثال جيراندو من الخارج، في صناعة متقنة لليأس، وتغذية ممنهجة لمناخ فقدان الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ومن سخرية القدر والمشهد الإعلامي معا، أن هذين الخطين، رغم تباعد المسافات واختلاف نبرة الصوت وتوزيع الأدوار، يلتقيان عند “صندوق” واحد: الاستثمار في التوتر وتحويل غضب المغاربة ومشاكلهم اليومية إلى مادة إعلامية دسمة تدر دولارات “الادسنس”. القاعدة الذهبية في دكاكينهم واضحة وضوح الشمس: كلما ارتفع منسوب التشكيك والسباب والتباكي، كلما تضخمت العائدات. هذا هو السر الدفين الذي يفسر ذلك التخادم غير المرئي بين الطرفين؛ حيث يُصعّد الأول من الخارج بأسلوب التشهير والهدم، ليتلقف الثاني نفس الأطروحات ويمنحها صدى محليا بأسلوب الصراخ، وكأننا أمام جوقة موسيقية مضبوطة الإيقاع، يوزع فيها المايسترو الأدوار بعناية فائقة لضمان استمرار العرض.
إن المصيبة في كل هذا العبث، ليست في وجود معارضة من الخارج أو صحافة تنتقد من الداخل، فهذا شر لا بد منه في أي ديمقراطية تحترم نفسها. المصيبة الحقيقية والكبرى هي حين يتحول الإعلام ومواقع التواصل إلى منصات لتصفية الحسابات، وإلى أذرع للضغط والابتزاز و”الاسترزاق النضالي”. حينها، لا يقتصر الخطر على خدش صورة المؤسسات وتسويد السجل، بل يمتد ليسمم وعي الجمهور العريض الذي يجد نفسه ضحية تضليل ممنهج ومدروس.
![]()









