راديو إكسبرس
البث المباشر
اوسار احمد/
لم تكن سحابة الدخان التي ارتفعت فوق القاعدة الجوية ببوفاريك إثر تحطم طائرة النقل العسكرية من طراز “بيتشكرافت 1900” (BE 1900)، سوى غطاء شفاف كشف عن أزمة أعمق تضرب جذور المؤسسة العسكرية الجزائرية. فالحادثة التي أودت بحياة إطارين عسكريين وأصابت أربعة آخرين، أعادت إلى الواجهة نقاشاً جوهرياً: كيف لجيش يستحوذ على موازنة دفاعية تتجاوز 21 مليار دولار، أن يستمر في التحليق بطائرات أحالتها جيوش العالم إلى المتاحف؟
إن التدقيق في هوية الطائرة المنكوبة يضعنا أمام مفارقة صادمة تشرح جوهر الأزمة. فطائرة “بيتشكرافت 1900” الأمريكية ذات المحركين التوربينيين، والتي صُممت في أوائل الثمانينيات، توقف إنتاجها كلياً منذ عام 2002. ورغم أن أغلب الجيوش الحديثة قد أخرجتها من الخدمة بشكل نهائي واستغنت عنها لصالح منظومات أكثر تطوراً وأماناً بسبب استحالة توفير قطع الغيار الأصلية وارتفاع تكاليف صيانة هياكلها المتهالكة، إلا أن القوات الجوية الجزائرية استمرت في الاعتماد عليها في مهام حساسة، لتتحول مع مرور الزمن إلى ما يشبه “التابوت الطائر”.
ولا تقف “الشيخوخة التقنية” عند حدود الأسطول الجوي أو طائرة بوفاريك المتقادمة، بل تمتد لتشمل مفاصل حيوية في القوات البرية والبحرية. فالقراءة المتأنية للترسانة العسكرية بأكملها تكشف عن ارتباط عضوي بمخلفات الحقبة السوفيتية. إذ لا يزال القوام المدرع للجيش يعتمد على أجيال قديمة من الدبابات ومركبات المشاة الروسية التي تفتقر إلى أنظمة الحماية والقيادة الرقمية الحديثة التي تتطلبها عقيدة الحروب المعاصرة، ناهيك عن قطع بحرية وغواصات باتت تكلفة تشغيلها وصيانتها تفوق قيمتها الاستراتيجية على الأرض.
هذا الواقع المتناقض يطرح تساؤلات مشروعة وخطيرة حول وجهة الميزانيات الفلكية المرصودة لوزارة الدفاع الجزائرية. وتشير تقارير استقصائية ومصادر متطابقة للمراقبة الاستراتيجية إلى أن استمرار الاعتماد على هذا العتاد المتهالك ليس وليد الصدفة، ولا يعكس نقصاً في التمويل، بل هو نتاج مباشر لغياب الشفافية وهيمنة شبكات فساد معقدة على قطاع الصفقات العسكرية.
وتتحدث التقارير عن تورط جنرالات وقيادات متنفذة في إبرام صفقات توصف بـ “الوهمية” أو المشبوهة. وتعتمد هذه الشبكات على آليات ملتوية، حيث يتم اقتناء معدات روسية وسوفيتية قديمة أو مجددة، ويتم طلاؤها وتعديلها شكلياً لتقديمها في فواتير الاستيراد الرسمية على أنها أسلحة ومنظومات حديثة بأسعار مضاعفة. هذه الممارسات تضمن تحقيق هوامش ربح خيالية لشبكة من الوسطاء والمنتفعين داخل المؤسسة العسكرية، وتُبقي ميزانية الجيش بمثابة “صندوق أسود” بعيداً عن أي رقابة برلمانية أو مدنية.
في المحصلة، لا يمثل سقوط طائرة (BE 1900) في بوفاريك مجرد عطل فني عابر أو قضاء وقدر، بل هو النتيجة الحتمية والضريبة الباهظة لسياسات تسليح تفتقر للنزاهة. ففي ظل استمرار صفقات الفساد وإعادة تدوير “الخردة” العسكرية السوفيتية، سيظل الجنود والضباط يدفعون ثمن هذا الخلل الهيكلي بدمائهم، محلقين ومقاتلين بأسلحة لفظها الزمن وتجاوزها التاريخ.
![]()









