هل تمنع حرب إيران صدام القوى الكبرى مع الصين؟

هل تمنع حرب إيران صدام القوى الكبرى مع الصين؟

- ‎فيدولي, رأي, واجهة
Capture decran 2026 03 02 232242

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

بقلم نجيبة جلال/

ما يقع الآن في إيران ليس مجرد تصعيد عسكري عابر في شرق أوسط اعتاد الاشتعال، بل لحظة كاشفة في هندسة الصراع الدولي. في طهران اليوم تختبر القوى الكبرى حدود النفوذ وحدود الردع وحدود القدرة على إعادة تشكيل الخرائط قبل انتقال المواجهة إلى مركزها الآسيوي. لذلك فإن قراءة ما يجري هناك بمنطق الأزمة الإقليمية تُفوّت جوهره الحقيقي: إيران تحولت إلى ساحة اختبار مبكر للتوازن العالمي المقبل، حيث يتقاطع الضغط الأمريكي مع مصالح الصين الاستراتيجية في الطاقة والممرات والتموضع الجيوسياسي. من هذه النقطة يبدأ فهم السلسلة التي تمتد إلى فنزويلا وكوبا، ويبدأ إدراك أن ما يتحرك أمامنا ليس سلسلة أزمات، بل مسار مراحل في صراع أكبر.

إيران تمثل في الحسابات الصينية أكثر من شريك سياسي. هي مصدر طاقة خارج المنظومة الغربية، وموقع يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وعقدة ضمن مشروع الحزام والطريق. كل استنزاف طويل لطهران ينعكس مباشرة على قدرة بكين في تنويع مصادرها الطاقية بعيداً عن الهيمنة البحرية الأمريكية. لذلك لا يُقرأ التصعيد ضد إيران في بكين كملف شرق أوسطي فقط، بل كإضعاف مباشر لركيزة في أمنها الاستراتيجي. وبالنسبة لواشنطن، فإن إبقاء الضغط على طهران يعني تقليص هامش الحركة الصينية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة والنقل.

هنا يظهر البعد الأكثر حسماً في هذه المرحلة من الصراع العالمي: الطاقة. فالصين قوة صناعية وعسكرية صاعدة، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط والغاز القادمة من الخارج، خصوصاً من الخليج وفنزويلا وإيران. هذه التبعية تجعل أمنها الاستراتيجي مرتبطاً باستمرار تدفق الطاقة. ومن ثم فإن أي استراتيجية تهدف إلى احتواء الصين قبل المواجهة لا تمر أولاً عبر السلاح، بل عبر مصادر الطاقة. الفكرة الجوهرية في الحسابات الكبرى بسيطة وقاسية في آن واحد: إذا جففت منابع الطاقة، تراجعت القدرة على الحرب. لا نفط، لا صراع واسع.

من هذا المنظور، يصبح الضغط على إيران مفهوماً كجزء من هندسة أوسع لتقليص البدائل الطاقية الصينية. فإيران تمثل مورداً خارج منظومة العقوبات الغربية التقليدية، وإضعافها يعني تقليص هامش تنويع الإمدادات أمام بكين. ومن طهران نصل إلى كاراكاس، حيث يأخذ التنافس شكلاً مختلفاً لكنه يخدم الهدف نفسه. فنزويلا ليست فقط دولة منهكة بأزمة اقتصادية، بل ركيزة نفطية ومالية للصين في نصف الكرة الغربي. منذ عهد هوغو تشافيز، ضخت بكين مليارات الدولارات في قروض مقابل إمدادات نفطية طويلة الأمد، واستثمرت في الاتصالات والبنية التحتية. هذا الحضور جعل كاراكاس أحد أهم مصادر النفط غير الخاضعة للنفوذ الأمريكي المباشر في الحسابات الصينية.

الخلفيات المرتبطة بتوقيف نيكولاس مادورو أو تصعيد الضغوط عليه تعود إلى مسار طويل من العزل والعقوبات والملاحقات. بدأت الأزمة بعد انتخابات متنازع عليها، وتعمقت مع الانهيار الاقتصادي، ثم تحولت إلى ملف دولي عبر عقوبات نفطية ومالية ودعم أمريكي للمعارضة، وصولاً إلى اتهامات جنائية ومذكرات توقيف. المسألة تجاوزت نزاعاً على الشرعية الداخلية لتصبح صراعاً على موقع فنزويلا داخل شبكة علاقات دولية تضم الصين وروسيا وإيران. أي تغيير في كاراكاس يعني عملياً تقليص أحد أهم منابع الطاقة التي تعتمد عليها بكين خارج الخليج.

أما كوبا، فقد عادت إلى صدارة الحسابات الأمريكية لا بسبب أيديولوجيتها بقدر ما بسبب موقعها الجغرافي وتنامي تعاونها مع الصين في مجالات الاتصالات والبنية التحتية والموانئ والتكنولوجيا. الجزيرة تُقرأ في واشنطن اليوم كاحتمال تموضع صيني قريب من العمق الأمريكي. لذلك بقيت العقوبات الاقتصادية مشددة، وترافق ذلك مع خطاب أمني متصاعد يعيد توصيف كوبا كحلقة محتملة في طوق نفوذ صيني في الكاريبي. هنا أيضاً لا يتعلق الأمر بإرث الحرب الباردة، بل بإدارة التنافس مع بكين على فضاءات النفوذ القريبة.

ما يجمع إيران وفنزويلا وكوبا هو أنها تمثل للصين أكثر من شركاء سياسيين؛ إنها نقاط طاقة وممرات ونفوذ في شبكة عالمية تحتاجها بكين لضمان استمرارية صعودها. لذلك فإن الضغط الأمريكي المتزامن على هذه الأطراف لا يبدو مجرد تتابع أزمات، بل استراتيجية تفكيك تدريجي لمنابع القوة الصينية قبل أي مواجهة مباشرة. فالقوة العسكرية لا تُبنى فقط على السلاح، بل على الوقود الذي يشغله.

في التحليل الاستراتيجي الغربي يُطرح أفق 2027 كنقطة قد تبلغ فيها الصين مستوى متقدماً من الجاهزية العسكرية حول تايوان. لكن الوصول إلى تلك اللحظة يفترض شرطاً أساسياً: استمرار تدفق الطاقة. فإذا ضُيقت منابع النفط والغاز، تضاءلت القدرة على خوض صراع واسع. لذلك تبدو حروب الأطراف التي نشهدها اليوم وكأنها مرحلة في معركة أعمق على موارد القوة قبل اختبار القوة نفسها.

العالم لا يعيش تتابع أزمات متفرقة، بل إعادة تشكيل تدريجية لمسرح التنافس بين القوتين الأكبر. وإيران في هذا المسار ليست النهاية، بل المرحلة الأولى في صراع يُدار على مصادر الطاقة بقدر ما يُدار على الجغرافيا. وفي هذا المنطق، قد يكون السؤال الحقيقي خلف كل ما يجري أبسط مما يبدو: هل يمكن أن تقع مواجهة كبرى مع الصين إذا ضاقت منافذ طاقتها؟ لأن الإجابة التي تحكم الحسابات الكبرى تظل حاسمة: حيث لا نفط، لا حرب.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *