راديو إكسبرس
البث المباشر
نجيبة جلال/
منشور ترامب بعد مقتل خامنئي ليس مجرد تعليق على عملية عسكرية، بل بيان سياسي متكامل يحدد رواية الحرب وأهدافها وحدودها. اللغة المستخدمة ليست لغة خبر أو تهنئة، بل خطاب نصر مؤدلج يضع الحدث في إطار عدالة تاريخية وصراع حضاري، ويعيد تعريف العملية بوصفها لحظة مفصلية في تاريخ إيران والشرق الأوسط.
أول ما يلفت في التدوينة هو توصيف خامنئي كأحد “أكثر الأشخاص شرًا في التاريخ”. هذا التوصيف يتجاوز الإدانة السياسية المعتادة إلى شيطنة أخلاقية مطلقة، وهو أسلوب استخدمه ترامب سابقًا مع قادة يعتبرهم أعداء وجوديين. الهدف هنا مزدوج: تبرير الاغتيال بوصفه فعل عدالة، ونزع أي شرعية مستقبلية عن النظام الذي كان يقوده. عندما يربط ترامب مقتله بعدالة للشعب الإيراني وللأميركيين ولضحايا حول العالم، فهو ينقل العملية من مستوى استهداف قائد دولة إلى مستوى معاقبة مجرم دولي.
الفقرة الثانية تؤسس لرواية التفوق الاستخباراتي. ترامب يصر على أن خامنئي لم يستطع الإفلات من “أجهزتنا الاستخباراتية وأنظمة التتبع المتطورة للغاية” وبالتنسيق مع إسرائيل. هنا يتم تقديم العملية كإنجاز تكنولوجي واستخباراتي مشترك، لا كضربة ظرفية. الرسالة الضمنية موجهة لثلاثة أطراف: الخصوم لإظهار الاختراق الكامل، الحلفاء لتأكيد التحالف العملياتي مع إسرائيل، والداخل الأميركي لإبراز الكفاءة العسكرية.
الجزء الأكثر أهمية سياسيًا هو دعوة عناصر الحرس الثوري والقوات الأمنية إلى طلب الحصانة. هذا ليس تعليقًا عابرًا بل دعوة انشقاق منظمة. عندما يقول ترامب إنهم “الآن يمكنهم الحصول على حصانة، لاحقًا لن يحصلوا إلا على الموت”، فهو يستخدم خطاب الإنذار العسكري النفسي. الهدف هو تفكيك تماسك أجهزة القوة الإيرانية عبر خلق خيار ثنائي: الانضمام إلى التغيير أو الفناء. هذا النوع من الرسائل يُستخدم عادة في حروب تغيير الأنظمة.
التدوينة لا تكتفي بالتحريض على الانشقاق، بل تقترح شكل النظام البديل. ترامب يأمل أن يندمج الحرس الثوري والشرطة مع “الوطنيين الإيرانيين” كقوة واحدة. هنا يظهر تصور لإعادة هيكلة الدولة الإيرانية عبر استيعاب الأجهزة القائمة بدل حلها، شبيه بما حدث في تجارب انتقالية أخرى حيث يُعاد توظيف البنية الأمنية بعد تغيير القيادة. هذا يعكس إدراكًا أن تفكيك كامل المؤسسات قد يقود إلى فوضى، بينما دمجها قد يضمن انتقالًا مضبوطًا.
إشارة ترامب إلى أن إيران تعرضت خلال يوم واحد لدمار واسع شبه كامل تحمل وظيفة خطابية أخرى. فهي تضخم حجم الضربة لتأكيد أن النظام فقد السيطرة وأن لحظة الحسم قد بدأت. في الخطاب الحربي، تصوير الخصم كمنهار يهدف إلى تسريع الانشقاقات الداخلية وإقناع الرأي العام الدولي بأن التغيير حتمي.
أخيرًا، يعلن ترامب أن القصف المكثف والدقيق سيستمر طوال الأسبوع أو حتى تحقيق الهدف المتمثل في إحلال السلام في الشرق الأوسط والعالم. هذه الجملة تختزل فلسفة التدخل: استمرار العمليات العسكرية يُقدَّم كطريق إلى السلام. إنها معادلة ترامب التقليدية التي ترى أن الحسم العسكري السريع يفرض نظامًا إقليميًا جديدًا. إدخال عبارة “السلام في العالم” يرفع العملية من مستوى صراع إقليمي إلى مهمة كونية، ما يمنحها بعدًا أيديولوجيًا أوسع.
خلاصة التدوينة أن ترامب لا يتحدث عن عملية قتل قائد، بل عن بداية إعادة تشكيل إيران. الرسائل الأساسية أربع: النظام فقد رأسه واختُرق بالكامل، الأجهزة يمكن أن تنشق وتنجو، الضربات ستستمر حتى التغيير، والهدف هو نظام إيراني جديد مندمج في توازن شرق أوسطي مختلف. إنها صياغة صريحة لحرب تغيير نظام، لكن بلغة “عدالة وسلام”.
بهذا المعنى، تكشف التدوينة ذهنية تدخلية ترى أن إسقاط القيادة يولد فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة وفق تصور جديد. سواء تحقق ذلك أم لا، فإن النص يوضح أن العملية لم تُقدَّم كحدث عسكري محدود، بل كبداية مرحلة جيوسياسية يراد لها أن تعيد تعريف إيران ودورها الإقليمي.
![]()






