كشفت دراسة حديثة صادرة عن بنك المغرب،أن إشكالية ضعف نمو المقاولات في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما فيها المغرب، لا ترتبط فقط بصعوبة الولوج إلى التمويل كما هو شائع، بل تتجاوز ذلك إلى عوامل هيكلية أعمق تتعلق ببيئة الأعمال والاستقرار المؤسساتي.
الدراسة، التي أنجزها الباحثان هشام الدغمي و كمال لحلو ، اعتمدت على تحليل معطيات تقارب 19 ألف مقاولة موزعة على 11 بلداً في المنطقة، وقدمت قراءة دقيقة لمسارات نمو الشركات والعوائق التي تحد من قدرتها على التوسع والاستثمار وخلق فرص الشغل. وخلصت إلى أن التمويل، رغم أهميته، لا يمثل سوى جزء من المشكلة، في ظل وجود عراقيل مرتبطة بالبيروقراطية، وضعف قابلية التوقع، وعدم الاستقرار.
وأظهرت نتائج الدراسة أن المقاولات الصغيرة والناشئة غالباً ما تحقق نسب نمو سريعة في مراحلها الأولى، مستفيدة من مرونتها وبنيتها الخفيفة، غير أن هذه الدينامية تظل هشة ومؤقتة. فهذه الفئة من المقاولات تظل الأكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، نظراً لضعف احتياطاتها المالية ومحدودية قدرتها على الصمود أمام الأزمات أو حتى التأخر في الأداءات، ما يجعل مسارها عرضة للتوقف أو الانكماش.
في المقابل، أبرزت الدراسة أن المقاولات التي تنجح في تحقيق نمو مستدام هي تلك التي تستثمر في قدراتها الداخلية، من خلال تطوير مهارات الموارد البشرية، واعتماد التكنولوجيا، وتحسين أساليب التدبير، والانفتاح على الأسواق الخارجية. فالنمو، بحسب التقرير، ليس نتيجة ظرفية، بل هو مسار تراكمي يقوم على الابتكار ورفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية.
ومن بين أبرز الخلاصات التي توصل إليها الباحثان، أن عامل عدم الاستقرار، خصوصاً السياسي والمؤسساتي، يعد من أكبر العوائق التي تحد من توسع المقاولات. ففي بيئة تتسم بالغموض وضعف الرؤية، تميل الشركات إلى تقليص استثماراتها وتأجيل قراراتها الاستراتيجية، مما يؤثر بشكل مباشر على ديناميتها وقدرتها على الابتكار.
كما أكدت الدراسة أن الولوج إلى التمويل البنكي يظل عاملاً داعماً للنمو، إذ تسجل المقاولات المستفيدة من القروض وخطوط التمويل أداءً أفضل مقارنة بغيرها. غير أن هذا العامل لا يكون حاسماً في غياب بيئة اقتصادية وإدارية ملائمة، حيث يفقد التمويل جزءاً كبيراً من فعاليته في ظل تعقيدات إدارية وضعف الحكامة.
وفي هذا السياق، شدد التقرير على أهمية توفر منظومة متكاملة تقوم على وضوح القوانين، وفعالية الإدارة، وسرعة اتخاذ القرار، بما يسمح للمقاولات بالتركيز على تطوير أنشطتها بدل استنزاف جهودها في تجاوز العراقيل اليومية. فالتكلفة غير المباشرة للبيروقراطية، بحسب الدراسة، قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من الأزمات الظرفية.
وبالنسبة للمغرب، تقدم هذه النتائج مؤشرات واضحة حول طبيعة التحديات المطروحة، حيث لا يكفي تعزيز عدد المقاولات أو تسهيل تمويلها، بل يتطلب الأمر خلق بيئة أعمال مستقرة ومحفزة قادرة على دعم نمو المقاولات وتحويلها إلى فاعلين اقتصاديين أقوياء، خاصة في مجالات التصدير والابتكار.
وتخلص الدراسة إلى أن الإشكال الحقيقي الذي تواجهه المقاولات في الدول النامية ليس مالياً فقط، بل هو بالأساس إشكال منظومة، يرتبط بمدى قدرة الاقتصاد على توفير شروط الاستقرار، والنجاعة، والتحديث، بما يسمح للمقاولة بالانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة النمو الحقيقي.
![]()


























