راديو إكسبرس
البث المباشر
أوسار أحمد/
في الوقت الذي كان فيه رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي يقف وقفة احترام واعتراف، واصفاً وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بـ “الأب الروحي للدبلوماسية الإفريقية” – وهو تصريح لا يخرج من فراغ، بل هو تتويج لسنوات من “الخدمة النقية” والضربات الاستباقية التي أعادت تشكيل خريطة التحالفات في القارة السمراء لصالح المملكة – كانت شوارع مدينة طنجة مسرحاً لمسرحية هزلية رديئة الإخراج، أبطالها كومبارس يعانون من بطالة سياسية مزمنة وفراغ قاتل في الرؤية والمشروع.
عشرات من “الإخوانجة”، الذين فقدوا بوصلتهم منذ أن لفظتهم صناديق الاقتراع وتجاوزهم الزمن، خرجوا في استعراض شعبوي جديد. وكعادتهم، استلوا ورقة “القضية الفلسطينية” العادلة كقميص عثمان، ليس حباً في فلسطين، بل لتمرير بضاعة فاسدة وتهريب أجندة “إيرانية” مفضوحة. وفي قمة التناقض والعمى الأيديولوجي، رفع هؤلاء حناجرهم بالصراخ لمهاجمة الدبلوماسية المغربية، واصفين مهندسها ناصر بوريطة بـ “الفاشل”!
لنتأمل قليلاً هذا العبث: الدبلوماسية الإفريقية، التي كانت إلى الأمس القريب مرتعاً لخصوم الوحدة الترابية، تعترف اليوم بريادة بوريطة وتلقبه بـ “الأب الروحي”. الرجل الذي تمكن من تنزيل الرؤية الملكية السامية السديدة، بصمت وحزم وفتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية، وحاصر الانفصاليين في عقر دارهم، وجعل من اعتراف القوى الكبرى بمغربية الصحراء واقعاً لا يرتفع.. يُنعت بـ “الفاشل” من طرف بضعة أشخاص غاية إنجازاتهم في الحياة هي ترديد شعارات مستوردة عبر مكبر صوت صدئ في وقفة احتجاجية لم تتجاوز الرصيف!
إن المشكلة الحقيقية هنا ليست في ممارسة الحق في الاحتجاج، فهذا بلد ديمقراطي يتسع للجميع، لكن الطامة الكبرى تكمن في تحول هؤلاء “الإخوانجة” إلى مجرد بيادق ومقاولين لتنفيذ أجندات أجنبية تتعارض تماماً مع الأمن القومي المغربي. أن تتضامن مع فلسطين، فهذا واجب ووجدان يسكن كل مغربي من القمة إلى القاعدة. لكن، أن تحشر “إيران” في الجملة، وأن تدافع عن نظام الملالي الذي يسلح ويدرب جبهة البوليساريو الانفصالية لضرب استقرار وطنك، فهذا لم يعد يدخل في باب “حرية التعبير”، بل هو انخراط طوعي ومجاني في “طابور خامس” يخدم أعداء الأمة المغربية.
هؤلاء الذين يوزعون صكوك الوطنية والنجاح والفشل في شوارع طنجة، يعيشون انفصاماً حاداً عن الواقع. يكرهون رؤية دولة مغربية قوية، ومؤسسات تحقق اختراقات تاريخية، لأن الدكاكين السياسية التي ينتمون إليها لا تنتعش إلا في مستنقعات الأزمات واللطميات. عندما تنجح الدولة، يشعرون باليتم، فيسارعون إلى البحث عن “أب روحي” بديل، ولو كان جالساً في طهران يخطط لتقسيم بلدهم.
المعادلة واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الفلسفة: هناك من يصنع التاريخ ويقلب موازين القوى في إفريقيا والعالم ليحمي سيادة بلده، وهناك من يحترف بيع الوهم ويقف في طوابير العمالة الأيديولوجية لخدمة أجندات من يعادون هذا البلد.
القافلة الدبلوماسية المغربية تسير بخطى الواثق، تصنع الأمجاد وتُنتزع الاعترافات القارية والدولية، أما “أيتام الملالي” وتجار الشعارات، فليستمروا في الصراخ في الهواء الطلق… فالتاريخ لا يكتبه من يتقن العويل، بل من يتقن الفعل.
![]()






