راديو إكسبرس
البث المباشر
نجيبة جلال/
لم تأتِ لحظة إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة من فراغ، كما لا يمكن فهمها خارج سياق تشريعي ومؤسساتي واضح يعكس، في العمق، طبيعة الخلل الذي عاشه القطاع خلال السنوات الأخيرة.
فالمشروع، الذي عُرض في مجلس الحكومة بتاريخ 3 يوليوز 2025، ثم سلك مساره داخل البرلمان إلى غاية المصادقة عليه، قبل أن يُحال على المحكمة الدستورية التي أصدرت قرارها رقم 261/26 بتاريخ 22 يناير 2026، لم يكن مجرد نص قانوني عادي، بل كان عنواناً لصراع أعمق حول من يملك شرعية تمثيل الصحافة في مغرب اليوم.
غير أن هذا المسار، الذي يفترض فيه أن يعكس نضجاً مؤسساتياً، عرف انحرافاً واضحاً حين تحولت بعض الأصوات إلى فاعل مباشر في تعطيل الزمن التشريعي. لم يكن الخلاف حول النص في جوهره، بل حول نتائجه. ولذلك تم اللجوء إلى آليات التأخير، وإغراق النقاش في تفاصيل هامشية، بهدف إبطاء قانون لا يخدم استمرار مواقع معينة داخل المشهد.
لقد كان ما حدث، في حقيقته، هدراً متعمداً للزمن التشريعي.
لكن الخطأ الأكبر في قراءة هذه المرحلة هو الاعتقاد بأن المشكلة تعكس تأخراً في مسار المؤسسات. فالحقيقة على العكس تماماً: المغرب اليوم يوجد في مرحلة متقدمة من ترسيخ منطق الدولة والمؤسسات، في مختلف القطاعات الاستراتيجية. غير أن الصحافة، التي كان يفترض أن تكون في مقدمة هذا التحول، هي التي تأخرت، بل وأحياناً اختارت أن تعطل هذا المسار.
وهنا تتجلى المفارقة.
قطاع يُفترض فيه أن يقود النقاش العمومي، وأن يواكب التحولات الكبرى، أصبح في بعض مكوناته رهينة بروفايلات ليس لها علاقة بمنطق التنظيم، ولا بمقتضيات العمل المؤسساتي. بروفايلات كان يفترض، بحكم ما راكمته من ممارسات، أن تبتعد عن مواقع التأطير، لأنها ساهمت—بشكل مباشر أو غير مباشر—في إنتاج أنماط بئيسة من الممارسة الصحفية، أضرت بصورة المهنة وأضعفت منسوب الثقة فيها.
هذه الفئة لا ترى في التنظيم سوى تهديد، ولا في القانون سوى قيد. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول بعض مواقفها إلى دفاع صريح عن الفراغ.
فالفراغ، في هذا السياق، ليس مجرد وضع عرضي، بل خيار واعٍ. لأنه يسمح باستمرار ممارسات خارج الضوابط، ويتيح إعادة إنتاج نفس الأدوار داخل فضاء غير منظم. إنها بروفايلات لا تنتعش إلا في الفوضى، ولا تجد لنفسها مكاناً داخل منظومة قائمة على القواعد والمعايير.
ومن هنا، فإن ما يُرفع من شعارات حول الحرية واستقلالية المهنة، يخفي في كثير من الأحيان رفضاً لمنطق التنظيم، وخشية من لحظة الحسم التي تعيد ترتيب الحقل وفق قواعد واضحة.
لقد أثبتت التجربة أن الشعبوية داخل قطاع الصحافة لا تنتج حرية، بل تعطلها. ترفع الصوت، لكنها تفرغ المضمون. تعارض المؤسسات، لكنها لا تقدم بديلاً. وفي النهاية، لا تترك إلا قطاعاً مرتبكاً، غير قادر على مواكبة التحولات التي تعرفها الدولة.
اليوم، ومع عودة مشروع إعادة التنظيم في صيغته المصححة، لم يعد النقاش حول تفاصيل تقنية، بل حول موقع الصحافة داخل مشروع الدولة.
هل تكون في المقدمة، كما يفترض دورها الطبيعي؟أم تستمر في التأخر، تحت ضغط بروفايلات استهلكت زمنها، ولم يعد لها ما تقدمه سوى تعطيل المسار؟
إن المغرب لم يعد ينتظر أحداً. مسار المؤسسات متقدم، والاختيارات الكبرى واضحة. وما يُطلب اليوم من قطاع الصحافة ليس أن يلحق فقط، بل أن يتحمل مسؤوليته في هذا المسار.
وهنا، تصبح القطيعة ضرورية.
قطيعة مع هدر الزمن التشريعي وقطيعة مع منطق التعطيل وقطيعة مع هذه البروفايلات التي لا تعيش إلا خارج منطق المؤسسات
لأن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى إصلاح؟بل: من يريد أن يكون جزءاً من مغرب المؤسسات… ومن يختار البقاء خارج الزمن.
وفي هذا الاختبار، لن يكون المستقبل لمن يعرقل،بل لمن يفهم أن زمن الدولة قد تقدم…وأن الصحافة لم يعد مسموحاً لها أن تتأخر عنه.
![]()








