راديو إكسبرس
البث المباشر
أوسار أحمد /
في العادة، الشعوب الحرة تموت من أجل أوطانها وتفتدي ترابها بالدم، لكن في هذا الشرق الأوسط المبتلى، ظهرت “موضة” سياسية مقززة: مواطنون يأكلون من خيرات بلدانهم، ويحملون جنسياتها، لكنهم مستعدون لحرقها وتدميرها لمجرد أن يرضى عنهم “الولي الفقيه” في طهران. وللتاريخ، فالمغرب كان سبّاقاً لقراءة “المانويل” السري لهذا النظام الإيراني، ولم ينتظر حتى يقع الفأس في الرأس ليفضح نياته الخبيثة. ففي سنة 2018، وبقرار سيادي حازم لا يقبل أنصاف الحلول، قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع طهران، بعدما كشف بالدليل القاطع تورطها، عبر وكيلها المطيع “حزب الله”، في تدريب وتسليح مرتزقة جبهة البوليساريو الانفصالية. المغرب فهم مبكراً أن طهران لا تصدّر سوى الخراب، وأن مشروعها التوسعي لا يحترم سيادة الدول ولا وحدة أراضيها، بل يعتاش على تمويل الانفصال وزرع الفتن.
وما حذّر منه المغرب بالأمس القريب، تدفع ثمنه اليوم دول عربية وخليجية عديدة، حيث نجحت إيران في اختراع سلاح دمار شامل أخطر بكثير من القنبلة النووية، اسمه “تفضيل الطائفة على الوطن”. القضية لم تعد مجرد اختلافات سياسية أو معارضة تقليدية، بل تحولت إلى خيانة علنية بالصوت والصورة. اليمن، الذي كان يُوصف بـ “السعيد”، هو اليوم النموذج الأكثر مأساوية لهذا العبث؛ إذ لم تكتفِ مليشيا الحوثي باختطاف الدولة، بل حولت البلد بأسره إلى مجرد منصة رخيصة لإطلاق الصواريخ وتصفية حسابات إيرانية لا ناقة لليمنيين فيها ولا جمل. وهذه العدوى الخبيثة لم تتوقف عند حدود اليمن، ففي البحرين، أجهزة الأمن لا تكاد تنتهي من تفكيك خلية حتى تظهر أخرى، وكلها مربوطة من “السُّرّة” بالحرس الثوري الإيراني، لتتحول من معارضة مزعومة إلى طابور خامس يجمع الإحداثيات ويستهدف المنشآت الحيوية.
ولأن حليمة لا تريد أن تترك عادتها القديمة، فقد أثبتت التطورات المتسارعة اليوم أن هذا السرطان يتمدد بشكل جنوني. ففي الكويت، بلد المؤسسات والدستور، أعلنت وزارة الداخلية اليوم عن صيد ثمين ومفزع في آن واحد، تمثل في اعتقال عشرة أشخاص ينتمون لتنظيم “حزب الله” الإرهابي، تلقوا تدريباتهم في الخارج ليعودوا كقنابل موقوتة إلى حضن الوطن. تفكيك هذه الخلية اليوم جنّب الكويت كارثة أمنية حقيقية ومجزرة كانت ستُرتكب بدم بارد، ليثبت هؤلاء مجدداً أن العقول التي تُغسل بـ “جافيل” الطائفية لا تعترف لا بوطن ولا بمواطنة، ومستعدة لتحويل البلد الآمن إلى ساحة دماء لخدمة أجندة خارجية.
ولعل المثير، والذي يضع النقط على الحروف، هو أن قطر، التي طالما حاولت مسك العصا من الوسط والحفاظ على شعرة معاوية مع جارتها، طفح بها الكيل اليوم. الدوحة أعلنتها صراحة وبشكل غير مسبوق عبر طرد الملحقين العسكري والأمني الإيرانيين، واعتبرتهما “شخصين غير مرغوب فيهما”، مع توجيه تهديد شديد اللهجة باتخاذ إجراءات أكبر وأقسى إذا تمادت طهران في عدوانها واختراقاتها. هذه الخطوة القطرية الحازمة تجسد حقيقة واحدة مفادها أن المشروع التوسعي الإيراني لا يعرف معنى لكلمة “صديق”، ويستخدم شعارات “المقاومة” كمجرد “ماكياج” لتجنيد المغفلين وتحويلهم إلى خناجر تطعن دولهم في الظهر.
في النهاية، وكما نقول بالدارجة “اللي فرّط يكرّط”، فالمشهد اليوم من صنعاء إلى المنامة، ومن الكويت إلى الدوحة، يزكي الموقف المغربي الاستباقي ويدق ناقوس خطر مرعب. إيران لا تقاتل بجيشها، بل تقاتل بأبناء هذه الدول أنفسهم. المسألة لم تعد مجرد أزمة أمنية عابرة، بل هي “أزمة وجود”. حماية الأوطان اليوم لا تتم ببيانات التنديد، بل بـ “الكيّ” وضرب هذه الخلايا وتجفيف منابعها، وترسيخ قاعدة ذهبية واحدة لا تقبل المساومة: الوطن أولاً، ومن يبيع وطنه اليوم من أجل طائفته أو إرضاءً لعمامة الولي الفقيه، سيبيع طائفته غداً لمن يدفع أكثر!
![]()








