راديو إكسبرس
البث المباشر
اسماء العمراني
لم تعد الشائعة في زمن الشبكات الاجتماعية مجرد خبر كاذب عابر أو خطأ في نقل المعلومة. لقد تحولت، في كثير من الحالات، إلى أداة مدروسة في حرب نفسية ناعمة هدفها الأساسي ضرب الثقة داخل المجتمع، وإشاعة الإحساس بأن البلاد تعيش حالة من الخوف الدائم وانعدام الأمن.
الآلية معروفة وبسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الفعالية: يتم التقاط واقعة معزولة أو فيديو مبتور السياق، ثم يُعاد تقديمه بطريقة درامية توحي بوجود خطر كبير. بعدها تتكفل خوارزميات المنصات بتضخيم المحتوى، بينما يتكفل ناشطون وصفحات معينة بإلباسه رواية جاهزة: الدولة فاشلة، والمؤسسات الأمنية عاجزة، والمجتمع مهدد.
آخر هذه النماذج ما جرى تداوله بشكل واسع من شريط فيديو تظهر فيه سيدة تطالب بتفريغ كاميرات المراقبة لتحديد مكان اختفاء شقيقين يبلغان من العمر 14 و15 سنة. وقد تم تقديم الفيديو للرأي العام وكأنه دليل على جريمة خطيرة أو عملية اختطاف غامضة.
غير أن الحقيقة التي أوضحتها ولاية أمن الدار البيضاء مختلفة تماما: الواقعة تعود إلى سنة 2025، وتتعلق بمغادرة طوعية لطفلين غادرا منزل الأسرة قبل أن يتم العثور عليهما لاحقا بحديقة عمومية بمدينة برشيد، دون أن يكونا قد تعرضا لأي اعتداء أو شبهة جنائية.
لكن ما يهم صناع الإشاعة ليس الحقيقة، بل الأثر النفسي الذي يتركه الفيديو عندما يُنشر خارج سياقه. فالهدف ليس إخبار الناس بما وقع، بل دفعهم إلى الاعتقاد بأن الخطر يحيط بهم في كل زاوية.
وهكذا تتحول واقعة قديمة إلى مادة جديدة لإثارة الذعر، وتتحول حادثة عادية إلى “قضية رأي عام” مصطنعة، فقط لأنها قُدمت خارج سياقها الحقيقي.
المفارقة أن هذه الحملات لا تُدار دائما من الخارج فقط. فهناك من داخل الفضاء الرقمي الوطني من يساهم في نشر هذه السرديات، إما بدافع التسرع، أو بدافع البحث عن الإثارة الرقمية، أو بدافع العداء السياسي.
وبمجرد أن تنتشر هذه المقاطع، يلتقطها بعض المحرضين المقيمين خارج البلاد، ويحولونها إلى مادة دعائية يومية، يقدمونها على أنها دليل جديد على انهيار الدولة وفشل المؤسسات، في خطاب يقوم أساسا على التهويل والتحريض.
هذه ليست صحافة، وليست حرية تعبير. إنها ببساطة اقتصاد الشائعة.
اقتصاد يقوم على تحويل الخوف إلى محتوى، والشك إلى سلعة، والتضليل إلى وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق النفوذ الرقمي.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها مروجو هذا الخطاب هي أن المجتمعات لا تسقط بسبب حادثة هنا أو فيديو هناك، بل حين تفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
لهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة أمن أو مؤسسات، بل معركة وعي.
وعي يدرك أن كل فيديو صادم ليس بالضرورة حقيقة، وأن كل رواية متداولة ليست بالضرورة خبرا، وأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتحول إلى جمهور دائم للشائعات.
فالدول تُبنى بالثقة، بينما تُهدم بالإشاعة.
![]()











