دخول القاذفات الاستراتيجية في الحرب على إيران – قراءة عسكرية في مراحل الحملة الجوية

دخول القاذفات الاستراتيجية في الحرب على إيران – قراءة عسكرية في مراحل الحملة الجوية

- ‎فيواجهة, دولي
Capture decran 2026 03 05 061537

راديو إكسبرس

البث المباشر

نجيبة جلال

في العلوم العسكرية لا تُدار الحروب الجوية بطريقة عشوائية، بل وفق تسلسل عملياتي دقيق يهدف إلى تفكيك قدرات الخصم تدريجياً. وما يجري اليوم في المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيران يقدم مثالاً واضحاً على هذا النوع من العمليات المركبة. فالحملة العسكرية التي انطلقت ضمن عملية Operation Epic Fury تعكس تطبيقاً واضحاً للعقيدة الجوية الأمريكية التي تقوم على ضرب منظومات الدفاع أولاً ثم الانتقال إلى مرحلة القصف الاستراتيجي الواسع.

المرحلة الأولى من أي حرب جوية ضد دولة تمتلك شبكة دفاع جوي متطورة تتمثل في ما يعرف عسكرياً بعمليات تدمير أو شل الدفاعات الجوية المعادية. في هذه المرحلة يتم الاعتماد على الطائرات الأكثر قدرة على الاختراق والتخفي مثل القاذفة الشبحية B-2 Spirit.

تتميز هذه الطائرة بقدرتها على العمل داخل المجال الجوي الأكثر حماية بفضل تصميمها الشبحـي وأنظمتها الإلكترونية المتطورة. وتتمثل مهمتها في ضرب الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة ومنصات الصواريخ المضادة للطائرات. الهدف من ذلك هو تعطيل شبكة الدفاع الجوي وفتح المجال أمام الطائرات الأخرى للعمل في المراحل اللاحقة من الحملة.

بعد إضعاف منظومة الدفاع الجوي تبدأ المرحلة الثانية من العمليات الجوية، حيث يتم توسيع نطاق الضربات باستخدام قاذفات أكثر سرعة ومرونة مثل القاذفة B-1B Lancer.

تُستخدم هذه الطائرة لتنفيذ ضربات مكثفة باستخدام الذخائر الموجهة بدقة، وتستهدف عادة القواعد الجوية ومخازن الأسلحة وقواعد الصواريخ الباليستية ومراكز القيادة الميدانية. الهدف من هذه المرحلة هو تقليص قدرة الدولة المستهدفة على إدارة العمليات العسكرية أو إطلاق ضربات مضادة فعالة.

أما المرحلة الثالثة فتظهر مع دخول القاذفات الاستراتيجية الثقيلة مثل B-52 Stratofortress إلى مسرح العمليات. ورغم أن هذه الطائرة صُممت في خمسينيات القرن الماضي، فإنها ما تزال واحدة من أقوى منصات القصف في العالم بفضل التحديثات التكنولوجية التي خضعت لها على مدى عقود.

تستطيع القاذفة الواحدة حمل عشرات الأطنان من الذخائر، بما في ذلك الصواريخ الجوالة والقنابل الموجهة. وتُستخدم عادة لضرب أهداف استراتيجية بعيدة مثل قواعد الصواريخ الباليستية ومراكز القيادة العليا والمنشآت العسكرية الحساسة.

في العقيدة العسكرية الأمريكية، يشير ظهور هذه القاذفات الثقيلة في مسرح العمليات غالباً إلى أن القوات المهاجمة تمكنت من تحقيق درجة متقدمة من السيطرة الجوية. فهذه الطائرات الكبيرة لا تُستخدم عادة في المراحل الأولى من الحرب عندما تكون الدفاعات الجوية في كامل قوتها.

لكن تحقيق التفوق الجوي لا يعني بالضرورة القضاء الكامل على قدرات الخصم الدفاعية. فالدول التي تمتلك أنظمة دفاع متنقلة أو صواريخ أرض جو قصيرة المدى تستطيع الاستمرار في تشكيل تهديد للطائرات المهاجمة حتى بعد تعرضها لضربات واسعة.

تكشف هذه العمليات عن طبيعة الحروب الحديثة التي أصبحت تعتمد بشكل أساسي على التفوق التكنولوجي والسيطرة على المجال الجوي. ففي كثير من النزاعات المعاصرة يتم حسم المرحلة الأولى من الحرب في السماء قبل أن تتطور المواجهة إلى عمليات برية واسعة.

كما أن استخدام مزيج من الطائرات الشبحية والقاذفات الاستراتيجية يعكس تحولا في العقيدة العسكرية نحو عمليات متعددة المراحل تهدف إلى شل قدرات الخصم العسكرية وتفكيك بنيته القتالية قبل الانتقال إلى مراحل أخرى من الصراع.

وفي هذا السياق فإن ما يجري اليوم في الحرب الجوية ضد إيران يقدم نموذجاً واضحاً لكيفية إدارة القوى الكبرى للحروب الحديثة، حيث يبدأ الهجوم بتعطيل الدفاعات الجوية، ثم ضرب البنية العسكرية، ثم الانتقال إلى القصف الاستراتيجي الذي يهدف إلى تقليص قدرة الخصم على مواصلة القتال.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *