راديو إكسبرس
البث المباشر
أنور خليل/
في هذا البلد الطيب، حيث يولد بعض المواطنين ومعهم شهادة غير معترف بها في “التحليل الجيوسياسي العابر للقارات”، تعيش بيننا فئة عجيبة لا تراها في حملات النظافة، ولا في دعم القضايا الوطنية، ولا حتى في لحظات الفرح الجماعي عندما يرفع العلم ، لكنها تتحول فجأة إلى كائنات مشتعلة الحماس كلما وقع حدث في مكان يبعد عنا بثلاث قارات .
هؤلاء لا يهتمون بما يجري تحت نافذتهم، لكنهم يعرفون تفاصيل دقيقة عن شوارع مدن لم يسمعوا بها إلا بالأمس، ويغضبون بشراسة من قرارات حكومات لا يستطيعون تحديد موقعها على الخريطة دون مساعدة “الحاج غوغل” ، وإذا تحدثتَ أمامهم عن مشروع تنموي في مدينتهم، هزّوا أكتافهم ببرود وقالوا: “كلها تمثيليات لإلهاء الشعب عن القضية الأم”… لكن جرّب فقط أن تذكر أزمة خارج الحدود، ستجدهم أول من يكتب منشوراً نارياً، وأول من يغيّر صورة حسابه إلى اللون الأسود حدادا على أي شيء .
الغريب أنهم لا يتطوعون، لا يساهمون، لا يدعمون، لا يشاركون في أي فعل حقيقي داخل وطنهم، لكنهم يملكون طاقة خارقة على التنديد الرقمي، حتى ليخيّل إليك أن أصابعهم تتغذى على بيانات الهاتف …الوطن بالنسبة لهم يشبه تطبيقاً قديماً في هواتفهم ، موجود منذ البداية، لكنهم لا يفتحونه إلا نادراً، وربما يفكرون في حذفه إذا احتاجوا مساحة إضافية، بينما القضايا البعيدة تأتيهم كإشعارات عاجلة لا يمكن تجاهلها، فيهرعون إليها بكامل أناقتهم الثورية من خلف الشاشة، فيكتبون ويشاركون وينددون، ثم يعودون إلى يومهم العادي وكأنهم أنقذوا العالم قبل احتساء الشاي.
ليس عيباً أن نهتم بما يحدث خارج حدودنا، فالإنسانية لا تتجزأ، لكن المثير للسخرية أن يتحول البعض إلى أبطال عالميين عند كل أزمة بعيدة، بينما يصابون بفقدان مفاجئ للصوت كلما تعلق الأمر بشيء في الوطن … الوطن الذي لا يذكرونه إلا حينما يريدون تغيير بطاقات التعريف الوطنية .
![]()









