راديو إكسبرس
البث المباشر
اوسار احمد/
لم يكن مفاجئاً أن يُسدل الستار بهذه الطريقة الدرامية على واحد من أكثر العهود قتامة في تاريخنا الإقليمي المعاصر. رحل علي خامنئي، وطويت معه صفحة رجل لم يترك وراءه سوى إرث ثقيل من الخراب والدموع التي أغرقت خريطة الشرق الأوسط بأكملها. نحن هنا لا نتحدث عن مجرد زعيم سياسي أخطأ في حساباته، بل عن مهندس لمشروع توسعي عبثي، جعل من تصدير الموت عقيدة، ومن تفخيخ الأوطان استراتيجية بقاء، في مفارقة عجيبة لنظام يتحدث باسم السماء بينما يزرع الجحيم على الأرض.
لو سألنا التاريخ عن إنجازات هذا النظام والحرس الثوري، فلن يجد سوى طاحونة موت طحنت شعوباً بأكملها. ولنبدأ من الداخل، من الشعب الإيراني نفسه، الذي كان أول ضحايا هذه الديكتاتورية العاتية. شعبٌ عريق صودرت أحلامه، ونُهبت ملياراته لتمويل حروب بالوكالة وراء الحدود، بينما تُرك شبابه يواجهون رافعات المشانق في الساحات العامة، ورصاص القمع في الشوارع لمجرد أنهم طالبوا بالحرية والخبز والحياة. دماء الشبان والشابات في الاحتجاجات المتتالية، لم تكن سوى الفاتورة الباهظة التي دفعها الإيرانيون من لحمهم الحي لتمويل مغامرات “فيلق القدس” الإمبراطورية.
وعندما نخرج من الحدود الإيرانية، تصدمنا الجغرافيا بخريطة من الرماد. في سوريا، لم يتردد هذا النظام في الزج بكل ثقله العسكري ودفع ميليشياته الطائفية عابرة الحدود لإنقاذ حليف متهاوٍ. فكانت النتيجة مئات الآلاف من القتلى، وملايين المشردين في خيام اللجوء، ومدناً تاريخية بأكملها سُويت بالأرض. لم يكن يهمهم استقرار سوريا أو دماء أطفالها، بل كان المهم أن يبقى طريق الإمداد سالكاً، حتى لو كان معبداً بجماجم السوريين وأشلائهم.
أما في اليمن، البلد الذي كان يُعرف بـ”السعيد”، فقد زرعوا فيه خنجرهم المسموم، وحولوه إلى مختبر لتجريب الصواريخ والطائرات المسيرة على حساب شعب يموت جوعاً ومرضاً وحصاراً. لقد اختطفوا قرار اليمنيين، ومزقوا نسيجهم الاجتماعي، وحولوا المدارس إلى معسكرات لتجنيد الأطفال، فقط ليثبتوا للعالم وللجوار أن أذرعهم الطويلة قادرة على إشعال الحرائق في خاصرة الجزيرة العربية، وجعلوا من معاناة الملايين مجرد ورقة تفاوض سياسية.
وليس بعيداً عن مشاهد الخراب تلك، نرى كيف تم اختطاف عواصم تاريخية كبغداد وبيروت بدم بارد. في العراق، فرّخوا ميليشيات ولائية تأتمر بأمر الولي الفقيه وتتغول على مؤسسات الدولة، نهبت مقدرات العراقيين، وصادرت سيادتهم، وحولت بلاد الرافدين إلى مجرد ساحة خلفية لتصفية الحسابات الإقليمية. وفي لبنان، سلحوا ومولوا حزباً صادر قرار السلم والحرب بقوة السلاح، وعزل هذا البلد الجميل عن محيطه العربي والدولي، فكانت النتيجة شللاً مؤسساتياً، وانهياراً اقتصادياً تاريخياً، ووطناً مفلساً يبحث فيه المواطن عن طوق نجاة بعد أن سُرق منه كل شيء.
ولم تكتفِ أذرع هذا الأخطبوط باختطاف المشرق العربي وتمزيقه، بل امتدت “يد الشيطان” لتعبث في أعماق القارة السمراء، محاولةً استنساخ سيناريوهات الخراب والتقسيم ذاتها في شمال إفريقيا. فقد سعى هذا النظام، في سعي محموم ومفضوح لتوسيع دائرة نفوذه، إلى تسليح وتدريب ميليشيات “البوليساريو” الانفصالية لضرب الوحدة الترابية للمملكة المغربية وزعزعة استقرار منطقة الساحل والصحراء بأسرها. وبمباركة نظام الكابرانات الجزائري، أرادوا تحويل المنطقة إلى بؤرة توتر جديدة تضاف إلى سجلهم الأسود، وتأسيس موطئ قدم لهم يهدد أمن إفريقيا وأوروبا على حد سواء. لكن حسابات طهران التخريبية اصطدمت بصخرة صلبة؛ فقد وقفت اليقظة الاستراتيجية المغربية كحائط صد منيع، وقطعت تلك الأيادي الممتدة وأحبطت مخططاتها الاستخباراتية قبل أن تتغول في رمال الصحراء، لتفشل بذلك مؤامرة بائسة كانت تظن أن دول المنطقة لقمة سائغة لمشروعها العبثي.
رحل الديكتاتور، تاركاً وراءه أربع عواصم عربية تنزف، وشعباً إيرانياً يئن تحت وطأة القمع والعزلة. قد لا ينتهي هذا الكابوس بين ليلة وضحاها، فالخراب الممنهج الذي زُرع في أربعة عقود يحتاج إلى عقود لاقتلاعه، لكن سقوط رأس هذا الهرم هو بلا شك زلزال سياسي وبداية النهاية لمشروع لم يُصدر للعالم سوى المآسي. إنها الخاتمة الحتمية لكل من توهم أن المشانق والميليشيات الطائفية يمكن أن تبني إمبراطورية باقية.
![]()






