راديو إكسبرس
البث المباشر
اوسار احمد /
مرحباً بكم مجدداً في “أرشيف المجهول”، حيث ننبش في دفاتر الغموض التي لم تجد لها السلطات تفسيراً، ونستعيد حكايا أولئك الذين عبروا بوابة اللاعودة. بعد أن شهدنا في حلقتنا السابقة قفزة “دي بي كوبر” الجريئة نحو المجهول، نرحل اليوم إلى بقعة جغرافية ارتبط اسمها بالرعب والأساطير، حيث تلتقي السماء بالماء لتُشكل ثقباً أسود يبتلع كل ما يمر فوقه. قضيتنا اليوم هي التي صنعت أسطورة “مثلث برمودا” كما نعرفها؛ قصة سرب من الطائرات الحربية لم يتحطم ولم يغرق فحسب، بل تبخر تماماً، ليلحق به من خرج لإنقاذه في سلسلة من المصادفات التي تتحدى العقل. استعدوا للإقلاع، فنحن بصدد فتح ملف “الرحلة 19”.
بدأت الحكاية في الخامس من ديسمبر عام 1945، بعد أشهر قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية. في قاعدة فورت لودرديل البحرية بولاية فلوريدا، كان الجو صافياً والشمس دافئة، حين انطلق خمس من قاذفات القنابل من طراز “إف تي بي أفنجر” في مهمة تدريبية روتينية. كان على متن هذه الطائرات أربعة عشر طياراً، يقودهم الملازم الخبير “تشارلز تيلور”. لم تكن المهمة معقدة؛ كان عليهم التحليق شرقاً فوق المحيط الأطلسي، وإجراء بعض التدريبات على القصف، ثم العودة إلى القاعدة. كانت الطائرات في حالة ممتازة، ومزودة بوقود يكفي للطيران لأكثر من خمس ساعات، لكن القدر كان يخبئ لهم شيئاً لم يرد في أي كتيب للتدريب.
بعد حوالي ساعة ونصف من الطيران، بدأت غرف العمليات في القاعدة تستقبل رسائل لاسلكية غريبة ومشوشة. لم تكن نداءات استغاثة عادية، بل كانت تحمل نبرة من الذهول والضياع. سُمع الملازم تيلور وهو يقول بوضوح: “لا يمكننا رؤية الأرض.. يبدو أننا ضللنا الطريق”. وعندما حاولت القاعدة توجيهه للعودة نحو الغرب، جاء رده الذي جمد الدماء في عروق المراقبين: “لا نعرف أين هو الغرب.. كل شيء يبدو خاطئاً.. حتى المحيط لا يبدو كما هو عليه دائماً”. كانت البوصلات في جميع الطائرات الخمس قد تعطلت في وقت واحد، وبدأ الطيارون يصفون دخولهم في سحب بيضاء غريبة وضباب كثيف جعلهم يفقدون الإحساس بالاتجاهات تماماً.
مع حلول المساء، بدأت المخاوف تزداد، والوقود ينفد من طائرات السرب. التقطت القاعدة آخر كلمات مشوشة من الرحلة 19، حيث كان الطيارون يتحدثون عن الهبوط الاضطراري في الماء البارد والمظلم. وفور انقطاع الاتصال، أرسلت البحرية الأمريكية طائرة إنقاذ ضخمة من طراز “مارتن مارينر” على متنها ثلاثة عشر شخصاً، مجهزة بكل أدوات البحث والإنقاذ. ولكن هنا حدث ما زاد اللغز رعباً؛ فبعد عشرين دقيقة فقط من إقلاع طائرة الإنقاذ، اختفت هي الأخرى من على شاشات الرادار تماماً، وانقطع اتصالها دون أي نداء استغاثة، وكأن السماء قد فُتحت وابتلعت المنقذ والمنكوب في آن واحد.
في الأيام التالية، شنت الولايات المتحدة واحدة من أضخم عمليات البحث في التاريخ؛ مئات السفن والطائرات مشطت مساحات شاسعة من المحيط الأطلسي، بحثاً عن بقعة زيت، أو قطعة حطام، أو حتى سترة نجاة واحدة. لكن النتيجة كانت صفراً كبيراً. لم يُعثر على أي أثر للطائرات الست، ولا للأشخاص السبعة والعشرين الذين كانوا على متنها. اختفت الطائرات وكأنها لم توجد قط، ولم يظهر لها أي حطام في قاع المحيط رغم مرور العقود وتطور تقنيات السونار.
تعددت التفسيرات، وحاول العلماء تفسير ما حدث بظواهر طبيعية مثل “انفجارات غاز الميثان” من قاع البحر التي قد تفقد السفن طفوها والطائرات توازنها، أو تقلبات مغناطيسية مفاجئة تشوش البوصلات. أما طائرة الإنقاذ، فقد قيل إنها ربما انفجرت في الجو بسبب عيب مصنعي يُعرف عن هذا الطراز. لكن كل هذه التفسيرات لم تستطع إخماد نار التساؤلات حول كيفية اختفاء خمس طائرات حربية متينة في وقت واحد ودون ترك دليل ملموس. خرج تقرير البحرية الأمريكية النهائي بعبارة شهيرة زادت من غموض القضية، حيث ذكر أن السرب اختفى “لأسباب غير معروفة، وكأنهم طاروا إلى كوكب المريخ”.
اليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانين عاماً، لا تزال “الرحلة 19” هي حجر الزاوية في أسطورة مثلث برمودا. قصص عن فجوات زمنية، واختلالات في قوانين الفيزياء، وقوى خفية تسكن الأعماق، كلها ولدت من ذلك اليوم المشؤوم في ديسمبر 1495. يظل هؤلاء الطيارون معلقين في ذاكرة التاريخ، يبحرون في سماء مجهولة لا تصل إليها رادارات البشر. وهكذا نغلق ملف “السرب المفقود” في أرشيف المجهول، تاركين خلفنا محيطاً شاسعاً لا يزال يحتفظ بأكبر أسراره في أعماقه المظلمة.
![]()










