منطق “الجماعة” ضد منطق “الدولة”.. بناجح نموذجاً

منطق “الجماعة” ضد منطق “الدولة”.. بناجح نموذجاً

- ‎فيرأي, واجهة
Capture decran 2026 02 22 155658

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

اوسار أحمد/

بأي منطقٍ وطني، أو حتى أخلاقي، يجرؤ المدعو حسن بناجح على رجم مصلحة بلاده بحجارة التشكيك والتبخيس، وهو الذي لا يفتأ يقتاتُ سياسياً من فتات الأزمات ورماد الحروب؟ إن ما نفثه مؤخراً هذا القيادي في جماعة “العدل والإحسان” المحظورة من سمومٍ دعائية، واصفاً استعداد المملكة المغربية للمساهمة في جهود حفظ السلام بقطاع غزة بأنها “قوات لحفظ إسرائيل”، ليس مجرد شطحة لسان عابرة أو زلة تقدير معزولة، بل هو إعلان صريح وفاضح عن عقيدة سياسية تعيسة تُغلب مصلحة “التنظيم” الضيق على كبرياء “الوطن” ودوره التاريخي الوازن. إنها طعنة مسمومة في ظهر الدبلوماسية المغربية الرصينة، التي لا تتحرك أبداً بمنطق “اللايكات” العابرة أو المزايدات “الفايسبوكية” البئيسة، بل بمنطق الدولة العريقة التي تراكمت لديها خبرات عقود من الزمن في إحلال السلم وتجنيب الشعوب والمدنيين ويلات الحروب والدمار، من جحيم البلقان وصولاً إلى أدغال أفريقيا ومناطق النزاع الأكثر تعقيداً في العالم.
إن هذا القفز البهلواني على الحقائق، وهذا الركوب المفضوح على جراح الفلسطينيين المكلومين، يكشف بوضوح عورة خطاب الجماعة الذي يرى في كل انتصار مغربي على الساحة الدولية “هزيمة” لمشروعه العدمي المتهالك. فبالنسبة لبناجح ومن يدور في فلكه الأيديولوجي المظلم، يبدو أن أي جهد جاد لاستقرار غزة وحماية أرواح أهلها تحت مظلة شرعية دولية هو بمثابة “مؤامرة”، والسبب بسيط ومخزٍ في آن واحد: الجماعة لا تنتعش ولا تجد لها موطئ قدم إلا في مناخات الفوضى والمظلومية التي تمنحها وقوداً للاستمرار والضجيج. فكيف يستقيم في عقل عاقل أو في وجدان منصف أن يُوصف سعي المملكة لتثبيت الأمن وتجسيد حضورها الوازن في قلب المعادلة الإقليمية بأنه خدمة للجلاد؟ لا تفسير لذلك إلا إذا كانت البصيرة قد عُميت بالولاءات الحزبية الضيقة التي جعلت من الوطن “خصماً” لدوداً، ومن مؤسساته السيادية هدفاً دائماً للرماية والتشهير والتبخيس الرخيص.
لقد سقط القناع تماماً وانكشفت النوايا؛ فبينما يشتغل وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة بلغة الأرقام، والمصالح العليا للدولة، ورهانات الشعوب الحقيقية في العيش الكريم والأمان، يصر بناجح على الاشتغال بلغة الإثارة الشعبوية الرخيصة التي تبيع الأوهام للناس وتتاجر بالدماء لتسجيل نقاط سياسية محلياً ضيقة الأفق. إن الفارق الجوهري بين “رجل الدولة” الذي يبني جسور السلام ويتحمل مسؤولية القرار الصعب، وبين “رجل الجماعة” الذي يهوى الهدم والتشويش من خلف الشاشات، هو الفارق الشاسع بين المصداقية والعدمية، وبين البناء والخراب. إن هؤلاء الذين استمرؤوا منطق “الزاوية” السياسية لا يستوعبون أن المغرب يتحرك كقوة إقليمية مسؤولة، تحظى باحترام المنتظم الدولي لا من باب المجاملة، بل لأنها دولة تقدم حلولاً عملية على الأرض بينما يكتفي الآخرون بالصراخ والعويل في الصالونات المكيفة.
سيظل المغرب رقماً صعباً في المنتظم الدولي بفضل رصانته، ومسؤوليته التاريخية، وثباته على مبادئ دعم الحق الفلسطيني بالفعل لا بالقول، وسيبقى هؤلاء المزايدون مجرد ظواهر صوتية في هامش التاريخ، يبيعون “الوطنية” في سوق الجماعة، ويشترون العزلة بمداد الحقد والتدليس والإنكار. إن المصداقية اليوم هي الحكم الوحيد بين من يبني وطناً قوياً مؤثراً، وبين من يريد اختزاله في “دكان سياسي” لخدمة أجندات تنظيمية محظورة وضعت ولاءها لـ “الجماعة” فوق قدسية “السيادة” ومصلحة الشعب المغربي والفلسطيني على حد سواء. إن التاريخ لا يرحم المزايدين، والحقائق لا تُحجب بغربال التشكيك، والمجد لمن يمارس السياسة بروح الدولة الشامخة، لا بعقلية الجماعة المنغلقة التي لا ترى أبعد من أرنبة أنف طموحاتها الحزبية الضيقة.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *