راديو إكسبرس
البث المباشر
نجيبة جلال/
في لحظات معينة، لا يكون الحدث هو مركز الثقل، بل الطريقة التي يُستقبل بها. هذا الأسبوع شهد واقعتين مختلفتين في الشكل، متشابهتين في الدلالة: وفاة شخص كان موضوع بحث قضائي بعد سقوطه من نافذة داخل مقر أمني، وصدم رجل أمن بدراجة نارية أثناء أدائه لمهامه في الشارع.
حادثتان منفصلتان في الزمان والمكان، لكنهما تلاقيتا في نقطة واحدة: وضع علاقة المواطن بمؤسسة الضبط تحت مجهر الرأي العام.
في الواقعة الأولى، صدر بلاغ رسمي تضمّن معطيات دقيقة: توقيت، موقع، إجراءات كانت جارية، تشريح طبي أنجزته لجنة ثلاثية، وفتح بحث قضائي لتحديد الظروف والملابسات. لغة البلاغ كانت تقنية، إجرائية، تستند إلى عناصر معاينة وتشريح. وهي، في منطق الدولة، رسالة واضحة: الواقعة ليست خارج المسطرة، بل داخلها.
لكن البلاغ مهما كان تفصيليًا لا يضع نهاية للنقاش، بل يؤطر بدايته. لأنه في مجتمع حي، الأسئلة لا تُعتبر تشكيكًا، بل جزءًا من المساءلة. كيف تُؤمَّن فضاءات البحث؟ ما هي تدابير السلامة؟ هل هناك بروتوكولات تمنع الوصول إلى نقاط خطرة؟ هذه الأسئلة مشروعة، شرط ألا تتحول إلى أحكام مسبقة.
أما الواقعة الثانية، فهي تضع سؤالًا آخر على الطاولة: ماذا يعني أن يُصاب موظف عمومي أثناء أدائه لواجبه؟ هل نحن أمام حادث سير عابر؟ أم أمام سلوك ينطوي على اعتداء؟ الفرق هنا ليس شعوريًا، بل قانوني. فالعمد شيء، والخطأ غير العمدي شيء آخر. والحسم في ذلك ليس للرأي العام، بل للتحقيق.
غير أن ما يلفت الانتباه في الحادثتين ليس فقط ما وقع، بل ما تلاهما. سرعة الاصطفاف، سرعة الاتهام، سرعة الدفاع. في دقائق، تشكلت روايات كاملة، بعضها يجزم قبل أن يستمع، وبعضها يبرئ قبل أن يتحقق. وكأن التحقيق القضائي صار تفصيلًا ثانويًا في زمن الأحكام الفورية.
وهنا تحديدًا يتجلى الاختبار الحقيقي: هل نمتلك كجمهور القدرة على انتظار الحقيقة؟ هل نقبل بأن العدالة مسار يحتاج إلى وقت؟
دولة القانون لا تُقاس فقط بوجود النصوص، بل بقدرتها على تطبيقها في مناخ هادئ، بعيد عن ضغط الانفعال. كما أن نضج المجتمع لا يُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرته على ضبطه.
المؤسسة الأمنية ليست فوق النقد، لكنها أيضًا ليست ساحة للتشكيك المجاني. هي جزء من بنية الدولة، تخضع للقانون وتحتمي به. وإذا كانت الهيبة ضرورة لاستقرارها، فإن الشفافية ضرورة لاستمرار الثقة فيها. التوازن بينهما ليس خيارًا بل شرطًا.
الواقعتان إذن ليستا مجرد خبرين في سجل الأسبوع. إنهما مرآة مزدوجة: مرآة للدولة في طريقة تدبيرها للمعلومة والتحقيق، ومرآة للمجتمع في طريقة تلقيه للحدث.
الاختبار ليس في أن نختار طرفًا، بل في أن نختار منهجًا. منهج يحتكم إلى المسطرة، ينتظر نتائج البحث، ويفصل بين الشك المشروع والتأويل المتعجل.
في النهاية، المسألة أبعد من سقوط وصدم. إنها تتعلق بسؤال أعمق: كيف نختلف؟ كيف نسائل؟ وكيف نثق؟ وهذه، في جوهرها، علامات مجتمع يعرف أن قوة الدولة من قوة قانونه، وأن قوة القانون من صبر الناس عليه.
![]()






