راديو إكسبرس
البث المباشر
اوسار احمد/
هناك ملفات في تاريخ البشرية لم تُغلق قط؛ أوراقها صفراء تقلبها رياح الزمن، وحقائقها غارقة في عتمة الأسرار. في زوايا هذا العالم، توجد ألغازٌ تحدت المنطق، وأشخاصٌ خرجوا من بيوتهم، أو أبحروا في محيطاتهم، أو حلقوا في سمائهم… ولم يعودوا أبداً. وكأن الأرض انشقت وابتلعتهم، أو أن السماء احتفظت بهم إلى الأبد.
مرحباً بكم في “أرشيف المجهول”. حيث ننبش في الذاكرة المنسية، ونعيد فتح القضايا التي حيرت المحققين، وأرهقت العلماء، ونسجت حولها أساطير لا تنتهي.
في حلقة اليوم، نسحب من الأرشيف ملفاً يعود تاريخه إلى صيف عام 1937. ملفٌ لا تفوح منه رائحة الورق القديم فحسب، بل رائحة وقود الطائرات، وهواء المحيط المالح، وطموحِ امرأةٍ أرادت أن تضع العالم بأسره تحت جناحيها.
إنها قصة لا تبدأ بجريمة، بل بحلم. حلم بطلةٍ قومية، ارتدت سترتها الجلدية، ونظارات الطيران، وصعدت إلى قمرة قيادة طائرتها الفضية اللامعة لتحلق نحو المجد… لكنها حلقت نحو لغزٍ استعصى على الحل لأكثر من ثمانية عقود. افتحوا معنا الملف، ودعونا نعود بالزمن إلى الثاني من يوليو 1937، لنعيش اللحظات الأخيرة، ونطرح السؤال الذي لم يُجب عليه أحد: أين اختفت أميليا إيرهارت؟
رحلة نحو المجهول: الإقلاع الأخير
كان صباح الثاني من يوليو عام 1937 حاراً ورطباً في مدينة “لاي” بغينيا الجديدة. وقفت أميليا إيرهارت أمام طائرتها الفضية اللامعة من طراز “لوكهيد إلكترا”، عيناها مثبتتان نحو الأفق البعيد حيث يمتد المحيط الهادئ كوحش أزرق ابتلع مئات الأسرار من قبل. كانت الرحلة قد أرهقتها، فقد قطعت بالفعل 22 ألف ميل حول العالم، ولم يتبقَّ لها سوى 7 آلاف ميل لتحقق حلمها بالدوران حول الأرض بالقرب من خط الاستواء.
صعدت أميليا إلى قمرة القيادة، وجلس خلفها ملاحها المخضرم “فريد نونان”. دارت محركات الطائرة بهدير شق صمت الصباح، واندفعت الإلكترا على المدرج الترابي الثقيل، مثقلة بآلاف اللترات من الوقود، قبل أن ترتفع أخيراً وتعانق السماء. لم يكن أحد يعلم أن هذه كانت المرة الأخيرة التي ستلامس فيها عجلات تلك الطائرة اليابسة.
نقطة في بحر لا نهائي
كانت المهمة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش عملاقة. كان عليهما الطيران لمسافة تزيد عن 4,000 كيلومتر للعثور على جزيرة هاولاند؛ وهي بقعة مرجانية صغيرة جداً لا يتجاوز طولها ميلين، مسطحة وتكاد تندمج مع لون أمواج المحيط.
في السماء، كانت الظروف قاسية. واجهت الطائرة غيوماً متراكمة وأمطاراً متفرقة، مما جعل الملاحة بالنجوم – وهي الأداة الأساسية لفريد نونان – أمراً شبه مستحيل. مع مرور الساعات، تحول الترقب إلى قلق، وبدأ شبح نفاد الوقود يلوح في الأفق.
غرفة اللاسلكي: أصوات من حافة العالم
في هذه الأثناء، قبالة سواحل جزيرة هاولاند، كانت سفينة خفر السواحل الأمريكية “إيتاسكا” ترسو بهدوء، وعيون طاقمها تمسح السماء، بينما كانت آذان مشغلي الراديو تلتقط أنفاس الأثير. كانوا بانتظار بطلة أمريكا، ومكلفين بتوجيهها لاسلكياً نحو الجزيرة.
مع بزوغ الفجر، بدأ جهاز الراديو في السفينة ينبض بالحياة. انطلق صوت أميليا مشوشاً يتخلله طنين الموجات الكهرومغناطيسية. لم تكن نبرتها تحمل تلك الثقة المعهودة، بل كان هناك توتر مبطن ينساب عبر المسافات:
“إيتاسكا من إيرهارت… نحن فوقكم تماماً، لكننا لا نراكم… الوقود ينفد. غير قادرين على التواصل معكم عبر الراديو. نحن نطير على ارتفاع 1,000 قدم.”
حاول طاقم “إيتاسكا” الرد مراراً وتكراراً، وأطلقوا الدخان الأسود من مداخن السفينة ليكون دليلاً بصرياً لها في السماء، لكن أميليا لم تكن تراهم، ولم تكن تسمع ردودهم. كانت الطائرة والسفينة تتحدثان في غرفتين معزولتين بسبب مشاكل تقنية في ترددات الاستقبال.
في الساعة 8:43 صباحاً، التقطت السفينة الرسالة التي ستحفر في ذاكرة التاريخ كواحدة من أكثر العبارات غموضاً:
“نحن على الخط 157 337… سنكرر هذه الرسالة… نحن نطير على الخط الفاصل بين الشمال والجنوب.”
كان هذا هو الصوت الأخير. بعد تلك اللحظة، ابتلع المحيط الهادئ طائرة الإلكترا الفضية في صمت مطبق. توقفت المحركات، وانقطع البث، وتبخرت أميليا وفريد كما لو أنهما لم يكونا هناك يوماً.
عملية البحث المجنونة
لم يقف العالم مكتوف الأيدي أمام هذا الصمت. بمجرد تأكيد فقدان الاتصال، أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت أمراً بشن أكبر عملية بحث وإنقاذ بحري وجوي في تاريخ الولايات المتحدة حتى ذلك الوقت.
مشطت 66 طائرة و9 سفن حربية مساحة تبلغ حوالي 250 ألف ميل مربع من المحيط الهادئ. استمرت العملية لأكثر من أسبوعين، وكبدت الحكومة الأمريكية ملايين الدولارات، لكن النتيجة كانت قاسية: لا حطام، لا بقع زيت، ولا أثر لأي ناجين. في 19 يوليو 1937، أُعلنت أميليا إيرهارت وفريد نونان مفقودين في البحر، ولاحقاً، أُعلنت وفاتهما قانونياً.
نظريات لا تموت
الفراغ الذي تركه غياب الأدلة امتلأ سريعاً بالنظريات والفرضيات، بعضها علمي والآخر يميل إلى المؤامرة:
نظرية السقوط والغرق (الفرضية الأكثر ترجيحاً): نفد الوقود من الطائرة بعد أن فشلت في تحديد موقع هاولاند، لتتحطم وتغوص في خندق عميق في المحيط الهادئ.
نظرية المنبوذين في نيكومارورو: يعتقد بعض الباحثين أن أميليا توجهت جنوباً وهبطت اضطرارياً على شعاب جزيرة نيكومارورو المهجورة، وعاشت كمنبوذة لأيام أو أسابيع. اكتُشفت هناك بقايا عظام وأغراض نسائية في الثلاثينيات، لكن الأدلة لم تكن حاسمة قط.
نظرية الأسر الياباني: انتشرت شائعات بأن الطائرة انحرفت نحو جزر مارشال، حيث اعتقلتهما القوات اليابانية للاشتباه في كونهما جواسيس، وتم إعدامهما لاحقاً. رغم شعبيتها، تفتقر هذه النظرية لأي دليل تاريخي موثوق.
بصيص أمل في الأعماق المظلمة
بقي اللغز نائماً في قاع المحيط حتى أوائل عام 2024، عندما عاد اسم أميليا إيرهارت ليتصدر عناوين الأخبار. أعلنت شركة استكشاف بحري تُدعى “ديب سي فيجن” (Deep Sea Vision) عن التقاط صور باستخدام موجات السونار لجسم يقبع على عمق 16 ألف قدم في المحيط، على بُعد 100 ميل فقط من جزيرة هاولاند.
الجسم الغامض يحمل تطابقاً مذهلاً مع أبعاد وتصميم طائرة “لوكهيد إلكترا” ذات الذيل المزدوج. ورغم أن الخبراء يطالبون بالتريث حتى يتم إرسال غواصات لالتقاط صور بصرية دقيقة للحطام، إلا أن هذا الاكتشاف أعاد إشعال جذوة الأمل في حل أحد أعظم ألغاز القرن العشرين.
إرث لا يغرق
سواء هوت طائرتها في ظلمات المحيط، أو لفظت أنفاسها الأخيرة على شاطئ جزيرة منسية، فإن أميليا إيرهارت لم تمت حقاً. لقد كسرت الحواجز المفروضة على النساء في عصرها، وتركت خلفها رسالة أقوى من أي نهاية مأساوية حين قالت:
“النساء يجب أن يحاولن القيام بأشياء كما حاول الرجال، وإذا فشلن، يجب أن يكون فشلهن مجرد تحدٍ للآخرين.”
وهكذا، يُغلق ملف رحلة أميليا إيرهارت في أرشيف المجهول… ليس لأننا وجدنا الإجابة، بل لأن بعض الأساطير ولدت لتبقى محلقة في سماء الغموض إلى الأبد.
![]()






