طاولة مدريد تفضح خِطاب الكابرانات

طاولة مدريد تفضح خِطاب الكابرانات

- ‎فيرأي, واجهة
IMG 20260216 WA0070

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

اوسار أحمد/

هل يُعقل أن تُستدعى دولة إلى مفاوضات دولية بالغة التعقيد والسرية، وتُحزم حقائب دبلوماسييها شطر العاصمة الإسبانية مدريد، لتجلس يومي 8 و9 فبراير في غرف السفارة الأمريكية المغلقة، ثم تخرج إلى العلن عبر وسائل إعلامها لتدعي أنها مجرد “مراقب عابر”؟
إن الإجابة على هذا التساؤل المثير للسخرية السياسية لم تعد تحتاج إلى تكهنات، بل جاءت صريحة ومدوية من أروقة مؤتمر ميونخ للأمن. فقد قطعت التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، الشك باليقين. وأكدت للعالم أن الجلوس حول طاولة تناقش إنهاء نزاع إقليمي برعاية أمريكية-أممية، يعني بالضرورة أنك جزء من المشكلة، وبالتالي حتمية أن تكون جزءاً من الحل.
إذا كانت الجزائر حقاً مجرد “مراقب” كما تصرح مصادرها الرسمية التي حاولت مؤخراً تبديد حرج “لقاء مدريد” وتقزيم حجمه، فلماذا نصّ القرار الأممي رقم 2797 – المعتمد في 31 أكتوبر 2025 – عليها كطرف أصيل؟ ولماذا ذكرها مجلس الأمن بالاسم في أكثر من اثنتي عشرة مناسبة داخل وثيقة القرار؟ لقد صاغت الشرعية الدولية نصها بلغة حاسمة لا تقبل التأويل النحوي أو السياسي، محددة الأطراف الأربعة المعنية بشكل مباشر: المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا.
أليس من التناقض الصارخ أن تمتنع الدبلوماسية الجزائرية بالأمس القريب عن المشاركة في الموائد المستديرة وتتغيب عن التصويت على قرارات مجلس الأمن بدعوى التمسك بـ”الحياد”، ثم تجد نفسها اليوم مجبرة على الحضور في مدريد تحت وطأة الضغط الأمريكي؟ إن هذا التموقع “المنفصم” يضعنا أمام سؤال جوهري: هل فقدت الجزائر استقلالية قرارها في هذا الملف، أم أنها تحاول عبثاً إخفاء شمس الانخراط الفعلي بغربال الخطاب الاستهلاكي الموجه للداخل؟
لقد شكل القرار 2797 نقطة تحول مفصلية في تاريخ النزاع؛ إذ أسقط بشكل نهائي أسطورة “الاستفتاء”، وكرّس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل سياسي واقعي وقابل للتطبيق. وما تأكيدات المسؤول الأمريكي، عبر شاشات “DW” وفرانس 24، بأن إدارته تعتبر هذا القرار “أرضية قانونية وسياسية صلبة”، سوى رسالة واضحة بأن مرحلة المناورات قد انتهت، وأن واشنطن لا تتساهل مع سياسة التنصل من المسؤوليات.
كيف لبلدٍ يُسخّر آليته الدبلوماسية، ويستنزف مقدراته، ويوجه بوصلة سياسته الخارجية برمتها لمعاكسة جاره في ملف الصحراء، أن يُقنع المجتمع الدولي بأنه يقف على مسافة واحدة من الجميع؟
إن التناقض الصارخ بين ما تفعله الجزائر في الغرف المغلقة وما تدعيه في العلن، يثبت أن سياسة “النعامة” لم تعد تجدي نفعاً. لقد دخل ملف الصحراء مرحلة الحسم، وبات يُدار في العواصم الكبرى ببراغماتية أمريكية وصرامة أممية لا تقبل أنصاف المواقف.

في النهاية، لم تكن طاولة مدريد المغلقة سوى المرآة التي عكست الحجم الحقيقي للتورط، وأسقطت ورقة التوت الأخيرة عن ‘خِطاب الكابرانات’ المتهالك. إن محاولة تسويق وهم الحياد، واللعب بورقة ‘البلد الجار’، لم تعد تنطلي على دوائر القرار الدولي التي باتت تدرك جيداً أين تقبع مفاتيح إدامة النزاع. لقد وضعت واشنطن، ومعها الشرعية الدولية، نقطة النهاية لمسرحية ‘المراقب’، لتجد القيادة الجزائرية نفسها وجهاً لوجه أمام حائط الحقيقة: إما تحمل المسؤولية التاريخية والانخراط في مسار الحل النهائي، أو الاستمرار في مكابرة سياسية وعزلة دبلوماسية تكلف المنطقة مزيداً من الفرص المهدورة.”

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *