كارثة المصطلح… هل كان “التهجير” زلة لسان أم سلاح تشويش؟

كارثة المصطلح… هل كان “التهجير” زلة لسان أم سلاح تشويش؟

- ‎فيواجهة, مقالات رأي دولية
Gemini Generated Image eo89b9eo89b9eo89 e1770650463775

راديو إكسبرس

البث المباشر

احمد نايت اوصالح

في الصحافة، ليست الأخطاء متساوية. هناك خطأ يمكن تداركه، وهناك خطأ ينسف المهنة من أساسها. وما قاله يونس مسكين عن أحداث القصر الكبير لا يندرج ضمن الهفوات العابرة، بل يقع في صميم النوع الثاني: الخطأ الذي إن كان متعمداً فهو كارثة، وإن كان غير متعمد فهو مصيبتان لا واحدة.

أن تصف عملية إجلاء سكان من مناطق غمرتها السيول الجارفة بـ“التهجير”، فأنت أمام احتمالين أحلاهما مرّ. إما أنك تعرف جيداً معنى المصطلح واخترته عن سابق قصد، وهنا نكون أمام سقوط أخلاقي خطير، لأنك حولت فعل إنقاذ إلى تهمة، والدولة إلى خصم، والضحايا إلى مادة سياسية. وإما أنك لا تعرف الفرق بين الإجلاء والتهجير، وهنا تصبح الكارثة مضاعفة، لأن الجهل بالمصطلح في هذه الحالة لا يقل خطورة عن سوء النية.

التهجير، لغوياً وقانونياً وحقوقياً، ليس كلمة عابرة. هو مصطلح جنائي ثقيل، مرتبط بالحروب، بالنزاعات المسلحة، بالتطهير العرقي، وبالدول التي تطرد شعوبها من بيوتهم بالقوة. أما ما جرى في القصر الكبير فهو إجلاء اضطراري فرضته الطبيعة، وأملته حالة خطر داهم، وتدخلت فيه الدولة بقوارب الإنقاذ، ومراكز الإيواء، والجيش، والوقاية المدنية، لحماية الحق الأول: الحق في الحياة.

وهنا يطرح السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: لماذا هذا التوصيف الآن؟ ولماذا عبر قناة أجنبية؟ ولماذا بلغة تُفهم خارج سياقها الوطني، وتُقرأ دولياً بعيون سياسية وحقوقية لا ترحم؟

الصحفي ليس ساذجاً إلى هذا الحد. والكلمة حين تُقال في قناة دولية لا تُقال عبثاً. نحن نعلم، ويعلم الجميع، أن ما رافق هذه الكارثة الطبيعية لم يكن فقط سيولاً جارفة، بل أيضاً سيولاً من حملات التشويش الإعلامي، تقودها منصات معروفة بعدائها للمغرب، هدفها تبخيس مجهودات الدولة، وتحويل أي نجاح ميداني إلى رواية فشل وانتهاك.

في هذا السياق بالذات، يأتي استعمال مصطلح “التهجير” ليصب الزيت على نار جاهزة للاشتعال. لا أحد في تلك القنوات سيسأل عن الفروق الدقيقة بين المصطلحات العربية. الكلمة تُلتقط، تُترجم، وتُستثمر سياسياً. وهنا يصبح الصحفي، بقصد أو بغير قصد، جزءاً من آلة تشويه لا من سلطة رقابة.

الأخطر في كل هذا، أن الخطاب لم ينتقد طريقة التدبير، ولا شروط الإيواء، ولا سرعة التدخل، وهي كلها زوايا مشروعة للنقد الصحفي. بل قفز مباشرة إلى توصيف أخلاقي وسياسي خطير، يجرّم الفعل بدل مساءلته، ويشوّه الواقع بدل تفكيكه.

الصحافة، حين تواجه الكوارث، تُختبر في معدنها الحقيقي. إما أن تكون صوت العقل والدقة، أو تتحول إلى بوق إثارة يخلط بين السياسة والإغاثة، وبين الدولة كحامٍ والدولة كجلاد. والفرق بين الاثنين كلمة واحدة، لكنها كلمة قاتلة إن وُضعت في غير مكانها.

إذا كان يونس مسكين قد تعمد هذا التوصيف، فهذه كارثة مهنية لا تغتفر. وإذا كان غير متعمد، فالمصيبة أكبر، لأنها تعني أن صحفياً بخبرة طويلة لم يعد يزن كلماته، ولا يدرك أن الجملة التي تُقال في الخارج قد تعود إلى الداخل كسكين في خاصرة الحقيقة.

في لحظات الخطر، لا يُطلب من الصحفي أن يصفق، لكن يُطلب منه على الأقل ألا يزوّر. لأن إنقاذ الأرواح ليس موضوعاً للتجريب اللغوي، ولا مادة لمزايدات رخيصة، ولا جسراً للعبور إلى منصات تبحث عن أي كلمة لتشويه بلد بأكمله.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *