المعارضة وقِصَر النظر …

المعارضة وقِصَر النظر …

- ‎فيرأي, واجهة
Capture decran 2026 01 24 201753

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

اوسار أحمد/

ما حدث مساء الخميس الماضي كشف عن وجوه متعددة لقِصَر النظر السياسي، لكن الأبرز هو ما أظهرته بعض مكونات المعارضة من افتقار للجرأة والشجاعة السياسية، وميول صريحة لتحويل مؤسسة حيوية في الإعلام إلى ساحة تصفية حسابات ضيقة. ما جرى لم يكن نقاشًا قانونيًا متأنيًا، بل حملة دعائية منظمة حاولت أن تُسوّق للرأي العام “انتصارًا وهميًا” عبر المحكمة الدستورية.

المحكمة الدستورية لم تحكم لحساب هذا الفريق أو ذاك، ولم تحكم وفق منطق الأغلبية أو المعارضة، بل وفق منطق الدولة والدستور. وقد جاء القرار دقيقًا: الانتخاب الفردي للصحافيين محفوظ، وتمثيل الناشرين عبر منظماتهم المهنية مصان، واعتماد معايير موضوعية لتحديد التمثيلية أصبح قاعدة واضحة. كل ذلك لم يمنح أحدًا “انتصارًا حزبيًا”، لكنه أعاد التوازن لمؤسسة يُفترض أن تحمي المهنة قبل أن تتورط في الصراعات الحزبية.

اللافت، والأكثر إحراجًا للمعارضة، هو الانتقائية المريبة في إحالاتها على المحكمة الدستورية. لماذا اقتصرَت على قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة وحده؟ ولماذا لم تُظهر نفس الجرأة في إحالة مشاريع قوانين أخرى لا تقل أهمية على حياة المواطنين، أو على مؤسسات الدولة؟ هذا السؤال يضع المعارضة أمام اختبار حقيقي: هل كانت تبحث عن تقويم نص قانوني، أم كانت تسعى إلى تعطيل مؤسسة واستثمارها لأغراض سياسية ضيقة؟ الجواب واضح، منطق الانتقائية وحده يكشف أن الأمر أبعد من مجرد نقاش قانوني، وأن حسابات السياسة قصيرة المدى كانت الغالبة، على حساب الصحافة والمجتمع.

بيان الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين أعاد الأمور إلى نصابها. فهو لم يردّ على القرار القضائي كإجراء روتيني، بل كشف عن اختلال عميق في فهم بعض الفاعلين لمعنى الرقابة الدستورية وحدود ممارسة السياسة حين تتقاطع مع مؤسسات الدولة.

بلاغ الجمعية تحدث عمّا هو أعمق: كتعطيل تسليم البطاقات المهنية، وتأخر أجور موظفي المجلس الوطني للصحافة، وتأجيل توقيع الاتفاقيات الجماعية؛ كلها مؤشرات ملموسة على أن الصحافة ليست ساحة تجارب حزبية، بل صمام أمان للمجتمع ولحقه في إعلام مهني ومسؤول.

في المقابل، قامت الدولة بدورها كما ينبغي: حكومة تقترح، وبرلمان يناقش، ومحكمة دستورية تُدقق وتُصحّح، دون الحاجة إلى بيانات مضللة أو معارك إعلامية ليلية. فالصحافة ليست ورقة سياسية، بل مهنة تحتاج إلى قواعد واضحة، وضمان حياد المؤسسات، واستقرار زمني مهني يُحترم. ومن يراهن على التشويش السياسي باسم المعارضة، ينسى سريعًا أن المؤسسات لا تُدار بالبيانات الليلية، وأن المحكمة لا تُستدرج، وأن كلفة تعطيل القطاع الصحفي أكبر بكثير من أي ربح انتخابي مؤقت.

ما يجب أن تفهمه بعض مكونات المعارضة أن الصحافة ليست صندوق رمل لتجارب السياسيين، ولا ملعبًا لتصفية الحسابات. ومن اختار الانتقائية في إحالاته على المحكمة، وأضاع فرصة لمراجعة قوانين أوسع، يتحمل المسؤولية أمام التاريخ، وأمام الرأي العام، وأمام مهنة يجب أن تظل حرة ومستقلة. ما سقط ليس القانون، بل وهم الانتصار السياسي، وما انتصر هو الدستور، ومنطق الدولة، وأهمية أن تبقى الصحافة حصنًا للمهنية، لا ساحة لتجار السياسة قصيرة النظر.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *