راديو إكسبرس
البث المباشر
اوسار احمد/
انتهت كأس الأمم الإفريقية 2025، وانتهى معها ضجيج اللحظة وانفعالاتها. بقي ما لا يمكن القفز عليه: المغرب خرج من البطولة أقوى مما دخلها. وصل إلى النهائي، خسر اللقب في مباراة شابها خبث كروي وتمطيط خارج روح المنافسة، لكنه ربح ما هو أبعد من الكأس: ربح الاعتراف الدولي، وربح صورة دولة تعرف ماذا تريد وإلى أين تمضي.
المغرب قدّم للعالم نسخة استثنائية وتاريخية من “الكان”. هذه ليست لغة وطنية متحمسة ولا خطابًا عاطفيًا، بل حقيقة أكدتها الكونفيدرالية الإفريقية لكرة القدم، وأشادت بها الفيفا، وتناقلتها اتحادات ووسائل إعلام عالمية. تنظيم صارم، ملاعب بمعايير دولية، بنية تحتية متطورة، نقل عصري، فنادق ومرافق اشتغلت بكفاءة، وتغطية إعلامية غير مسبوقة، ومداخيل ارتفعت ب 90%، وأبواب مفتوحة للجميع بلا عقد ولا عقدة. هكذا تُنظَّم البطولات حين تتحول الرياضة إلى خيار استراتيجي للدولة، لا إلى مغامرة ظرفية.
ويكفي، لمن يريد الدليل، أن يشاهد فيديوهات صناع المحتوى الذين توافدوا على المغرب خلال البطولة. انبهار صريح، بلا مجاملة: قطارات سريعة، طرق حديثة، مستشفيات، فنادق، منشآت رياضية، وتنظيم يومي يشتغل بسلاسة. الأكثر دلالة أن هذا الكلام لم يأت فقط من أجانب، بل من صناع محتوى جزائريين ومصريين تحدثوا، قبل أن تُطلق صافرة التحريض، عن نجاح المغرب في التنظيم، وعن الترحيب الذي لقيه الضيوف من طرف المغاربة، وعن بلد يفاجئ من يزوره لأول مرة.
لكن هنا بالضبط يبدأ الإزعاج. نجاح المغرب لا يمرّ بلا ثمن. لأنه يحرج الأنظمة الفاشلة، ويكشف الفارق بين دولة تستثمر في الإنسان والبنية والمؤسسات، وأنظمة لا تملك سوى التعبئة الدعائية. لذلك لم يتأخر الإعلام العسكري الجزائري في تجييش الجماهير، وتحويل الهزيمة النفسية إلى سرديات هزلية للتشويش على المغرب. ليس لأن المغرب أخطأ، بل لأن تقدّم المغرب يفضح العجز البنيوي عند غيره.
المغرب، في المقابل، تصرّف كدولة. الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لجأت إلى المساطر القانونية للاحتجاج على تصرفات منتخب السنغال في النهائي، بلا صراخ ولا فوضى، وبلا تحويل الخسارة إلى شماعة. هكذا تُدار الخلافات في الدول التي تحترم المؤسسات وتثق في مساراتها.
ثم طوى المغرب الصفحة. عاد مباشرة إلى عمله. عاد إلى مشاريعه التنموية المفتوحة في كل القطاعات، عاد إلى ورش تطوير الرياضة الوطنية، كرة القدم وغيرها، بعقل بارد ونَفَس طويل. والأهم، عاد إلى الاستعداد الجدي لاحتضان كأس العالم 2030 باعتباره مشروع دولة، لا لحظة استعراض.
في الجهة الأخرى من المشهد، تبدو المفارقة قاسية. هناك من لا يزال أسير طوابير الحليب، وبنية نقل متقادمة، وبنية تحتية متهالكة، ونظام سياسي مغلق يختزل الدولة في قبضة عسكرية، ويطلب من الإعلام أن يقود الناس كقطيع بسرديات لا يصدقها إلا من يعيش داخلها. المشكلة ليست في الشعوب، بل في أنظمة تخاف من المقارنة، لأن المقارنة تكشف المستور.
حتى بعض الأصوات الإعلامية في مصر، التي حاولت التشويش على نجاح التنظيم المغربي، ستعود سريعًا إلى ملفاتها الداخلية الثقيلة. فرحة عابرة بتتويج السنغال لن تغيّر الحقيقة الأساسية: المغرب لم يكن ينافس فقط على الكأس، بل على المكانة.
الكان انتهت. الكأس ضاعت، نعم. لكن المغرب ربح المعركة الأهم: معركة الصورة، ومعركة الثقة، ومعركة المستقبل. ومن لا يفهم هذا الفرق، سيظل عالقًا في لحظة غضب… بينما المغرب، بهدوء، يواصل التقدّم.
![]()







