نجيبة جلال/
في يوم الجمعة الماضي، الموافق 12 ديسمبر 2025، شهدت المساجد المغربية قراءة خطبة موحدة تناولت احترام القوانين المنظمة للحياة واختيارات الأمة في الشأن العام. لم يقتصر الاهتمام على مضمون الخطبة، بل سرعان ما تحول النقاش إلى سجال واسع بين باحثين ومهتمين بالشأن الديني، بعد أن أعلن الشيخ الحسن بن علي الكتاني رفضه لما جاء فيها، واصفاً الخطبة بأنها “تتضمن مغالطات خطيرة وتغييراً لشرع الله”. هذا الجدل لم يقتصر على الفضاء الديني، بل امتد إلى وسائل الإعلام ومنصات النقاش العام، ليصبح حدثاً يطرح أسئلة أساسية عن العلاقة بين الدولة ومؤسساتها، وبين الفقه والاجتهاد الديني من جهة، والمصلحة العامة والتنظيم القانوني للحياة من جهة أخرى.
ما جرى بعد الخطبة ليس جديداً على تاريخ المغرب، بل هو تكرار لنمط مألوف: كلما حاولت الدولة المغربية أن تؤطر المجال العام بضوابط قانونية ذات مرجعية دينية ومقاصدية، خرج من يعتبر ذلك اغتصاباً للاختصاص الإلهي. وكأن تنظيم الحياة المشتركة، وضبط المصالح، ومنع الفوضى، أعمال لا يجوز أن تقوم بها الدولة إلا بإذن مباشر من فقيه يضع نفسه خارج التاريخ وخارج المؤسسة.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الخلاف حول نص بعينه، بل حول من يحتكر تفسير الدين. الدولة، بحكم طبيعتها، لا تتكلم لغة الفتاوى، بل لغة القواعد العامة، والتوازنات، والمصالح. أما التيارات الأيديولوجية الدينية، فتتحدث بلغة القطعيات المطلقة، حيث لا مجال للتدرج، ولا اعتبار للواقع، ولا اعتراف بتعقيد الاجتماع البشري. وهنا تحديداً يولد الصدام.
الخطاب الذي يصف القوانين السارية بالجاهلية لا يتوقف عند النقد، بل يؤسس لرؤية تعتبر كل ما هو مؤسساتي مشبوهاً، وكل ما هو تراكمي انحرافاً، وكل ما هو دستوري خيانة. وهو خطاب، في جوهره، لا يرى الدولة إلا كمرحلة مؤقتة يجب تجاوزها، لا كإطار يجب إصلاحه. المغرب، عبر تاريخه الحديث، حافظ على هذا التوازن بين المرجعية الدينية والدولة، وهو ما ساعد على الاستقرار والأمن في البلاد لعقود.
وإذا كان من حق أي عالم أن ينتقد، فإن الخلل يبدأ حين يتحول النقد إلى نزع للشرعية، وحين يُختزل الخلاف في معركة بين “شرع الله” و”دولة منحرفة”، وكأن ملايين المواطنين، ومؤسساتهم، وتاريخهم، يقفون جميعاً خارج دائرة الإسلام الصحيح. هذا المنطق لا ينتج إصلاحاً، بل يصنع استقطاباً حاداً، ويزرع الشك في كل ما هو مشترك.
إن أخطر ما في هذا السجال ليس ما قيل عن الخطبة، بل ما لم يُقل صراحة: أن هناك من لا يعترف بالدولة إلا إذا أعادت إنتاج تصورهم الخاص للدين، ومن لا يرى في القانون إلا خصماً يجب نزع قداسته قبل نزع شرعيته. وهنا يصبح الصدام حتمياً، لا بين الدين والدولة، بل بين الدولة كضرورة تاريخية، وأيديولوجيا ترفض الاعتراف إلا بالمطلق.
في هذا السياق، تؤكد خطبة الجمعة على أن القوانين المنظمة للحياة في المغرب ليست إلا امتداداً لمقاصد الشريعة الإسلامية، فهي تحمي الكليات الخمس: الدين والنفس والعقل والعرض والمال. إن احترام هذه القوانين ليس خياراً تنظيميّاً فحسب، بل واجب ديني وأخلاقي، لأنه يمنع الأذى، يحفظ الحقوق، ويحقق المصلحة العامة. من احترام علامات السير إلى الالتزام بالقواعد الدستورية، يتجلى دور الدولة كضامن للحق والعدل، ودور الشرع كإطار يوجّه الحياة العامة نحو حفظ مصالح الناس ودرء مفاسدهم. إن الخلط بين القانون والشرع، أو اعتبار أحدهما معارضاً للآخر، يؤدي إلى تشويه الفهم الصحيح للدين، وإضعاف الدولة، وإرباك المجتمع بأسره.
![]()




















