المحاكم تشكل مستقبل العمل المناخي

المحاكم تشكل مستقبل العمل المناخي

- ‎فيواجهة
المحاكم

راديو إكسبرس

البث المباشر

فرانشيسكا ماشا كلاين :  المسؤولة القانونية عن التقاضي الاستراتيجي في مؤسسة Germanwatch

لورا شيفر : رئيسة قسم السياسة المناخية الدولية في Germanwatch

في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تأتي الضغوط الرامية إلى فرض الامتثال للالتزامات المناخية من جانب المحاكم على نحو متزايد. في وقت سابق من هذا العام، أصدرت كل من محكمة العدل الدولية ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان فتاوى تاريخية تؤكد أن الدول يتعين عليها أن تتصدى لتغير المناخ، وأن التقاعس عن القيام بذلك قد ينطوي على عواقب قانونية خطيرة.

يأتي هذا الوضوح القانوني المتجدد في لحظة حرجة. كان العام الماضي هو الأكثر حرارة في التاريخ المسجل على الإطلاق، مع تجاوز متوسط درجات الحرارة العالمية الدرجة ونصف الدرجة المئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ومع ذلك تستمر الفجوة بين إلحاح التهديد المناخي والاستجابة السياسية في الاتساع.

في غياب الإرادة السياسية، أصبح النظام القانوني محركا رئيسيا للتقدم في مجال العمل المناخي. ومع اقتراب مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في البرازيل (مؤتمر الأطراف الثلاثين)، أُرسي الأساس لعمل مناخي أقوى وأكثر إنصافا وخضوعا للمساءلة. وتتمثل مهمة الحكومات الآن في تكييف سياساتها بما يتفق مع القانون الدولي والاحتياجات البيئية.

يتمثل الأثر الأكثر مباشرة المترتب على آراء محكمة العدل الدولية ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان في فرضية مفادها أن الخطط المناخية الوطنية ــ المعروفة بمسمى المساهمات المحددة وطنيا ــ يجب أن تعكس “أعلى طموح ممكن” وأن تكون متسقة مع هدف اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015 المتمثل في الحد من الانحباس الحراري الكوكبي بحيث لا تتجاوز الزيادة في درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

من المثير للانزعاج الشديد أن درجات الحرارة العالمية، اعتبارا من عام 2024، أصبحت على مسار يجعلها ترتفع بما يصل إلى 3.1 درجة مئوية بحلول نهاية القرن. بعد حلول الموعد النهائي لتقديم المساهمات الجديدة المحددة وطنيا في سبتمبر/أيلول، لم تُـغَـط التعهدات المناخية الـمُـحَـدَّثة، والتي لا يرقى معظمها إلى الأهداف المستندة إلى العلم، سوى نصف الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري.

بيد أن قرارات محكمة العدل الدولية ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان تقدم بعض أسباب الأمل. في مؤتمر الأطراف الثلاثين، بوسع المفاوضين وممثلي المجتمع المدني أن يمارسوا الضغوط في سبيل اتخاذ تدابير طموحة، حيث بات من الممكن الطعن في عدم الامتثال لأهداف درجات الحرارة بموجب اتفاقية باريس ليس فقط في المحافل الدبلوماسية بل وأيضا في المحاكم.

يظل التخلص التدريجي السريع من الفحم والنفط والغاز يشكل ضرورة أساسية للعمل المناخي الفعّال. ولكن على الرغم من “إجماع الإمارات” على ضرورة الابتعاد عن الوقود الأحفوري، تواصل دول عديدة عرقلة التقدم. وهنا أيضا، تزود محكمة العدل الدولية المفاوضين بأدوات جديدة، حيث تعترف صراحة بأن الحكومات قد تتحمل المسؤولية عن الفشل في الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري، بما في ذلك من خلال إنتاج الوقود الأحفوري، واستهلاكه، والتنقيب عنه، ومساندة العمليات المرتبطة به بإعانات الدعم.

الواقع أن النظام المناخي الدولي يجب أن يتطور بما يعكس هذه الحقائق القانونية المتغيرة. هذا يتطلب إنشاء آليات امتثال أقوى تضمن تحقيق الدول لأهدافها والوفاء بالتزاماتها المتعلقة بتمويل العمل المناخي.

يتجلى هذا التحول القانوني بشكل خاص في تمويل العمل المناخي. على مدار عقود من الزمن، تعاملت الدول المتقدمة مع تمويل التكيف المناخي والخسائر والأضرار المناخية على أنها من الأمور التقديرية. نتيجة لهذا، وعلى الرغم من إنشاء صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين، لا تزال المساهمات أقل كثيرا من المطلوب.

والطريق إلى الأمام واضح. يؤكد رأي محكمة العدل الدولية أن الدول الغنية يتعين عليها أن تضطلع بواجب ملزم قانونا في دعم جهود التخفيف، والتكيف، والخسائر والأضرار في مختلف أنحاء العالم النامي. للوفاء بهذه الالتزامات، يجب حشد ما لا يقل عن 1.3 تريليون دولار سنويا بحلول عام 2035، مع احتياطيات مخصصة للخسائر والأضرار.

من الأهمية بمكان هنا أن يكون من الواضح أن القطاع الخاص ليس معفيا من المسؤولية. فقد اعترفت كل من محكمة العدل الدولية، ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدولية لقانون البحار بأن الحكومات مُـلزَمة بتنظيم عمل الشركات عند الضرورة لحماية البيئة، وصيانة النظام المناخي، ومؤازرة حقوق الإنسان.

في الوقت ذاته، تتبلور مساءلة الشركات في المحاكم المحلية. في قرار تاريخي، أصدرت المحكمة الإقليمية العليا في هام بألمانيا حكما مفاده أن الجهات الضخمة المصدرة للانبعاثات من الممكن من حيث المبدأ تحميلها المسؤولة عن التأثيرات المرتبطة بالمناخ. وتُظهر دعوى قضائية أقامها المزارع البيروفي ساؤول لوسيانو ليويا أن الأفراد في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ يمكنهم إجبار الملوثين على دفع نصيبهم العادل.

لكن التقاضي وحده من غير الممكن أن يحقق العدالة على نطاق ضخم. بل يتعين على الحكومات أن تعكف على وضع أطر قانونية واضحة لمحاسبة كبار الملوثين بشكل كامل عن دورهم في دفع أزمة المناخ قبل أن يصبح الضرر غير قابل للإصلاح. ومن الممكن أن تساعد آليات مثل الاحتياطيات الإلزامية، وقواعد الإفصاح، وخطط التأمين، وصناديق التعويضات في استيعاب المخاطر المرتبطة بالمسؤولية وإدراج المساءلة في النظام، بدلا من تركها للنوايا الحسنة أو المحاكم.

ويتنامى الزخم لمثل هذه التدابير. في بلدان مثل الفلبين وباكستان، وكذا في ولايات أميركية مثل فيرمونت ونيويورك، يعمل المشرعون على تطوير تشريعات “إلزام الـمُـلَـوِّث بالدفع”. ومن اللافت للنظر أن الدعاوى القضائية المتعلقة بالمناخ، التي أقامها مدّعون يتراوحون بين مجموعات من السكان الأصليين في كندا والمزارعين في كوريا، تستند بالفعل إلى منطق محكمة العدل الدولية، وقد استشهدت محكمة برازيلية صراحة بهذا المنطق عندما أمرت مشروعا أحفوريا بوقف عملياته.

بدلا من انتظار حكم المحكمة المقبل، ينبغي للحكومات الآن أن تتخذ خطوات لإعلاء سيادة القانون وتحمل المسؤولية عن مواجهة أزمة المناخ. وهذا يعني رسم مسار جدير بالثقة نحو تخفيضات جذرية للانبعاثات، وتسريع جهود التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وضمان فعالية، وإنصاف، وملاءمة تمويل العمل المناخي للغرض منه. في مؤتمر الأطراف الثلاثين، ينبغي لـصُـنّاع السياسات الدولية الاستفادة من الزخم القانوني الحالي من خلال اقتراح فرض ضريبة عالمية على أرباح الوقود الأحفوري والقطاعات التي تصدر مقادير ضخمة من الانبعاثات، بما في ذلك الشحن البحري والطيران، لضمان التمويل المستدام لصندوق التكيف وصندوق الخسائر والأضرار.

بعد مرور عقد من الزمن على اتفاقية باريس، لم يعد العالم يملك تَـرَف أنصاف الحلول. وقد أعلنت فانواتو بالفعل عن خطط للسعي إلى استصدار قرار جديد من الأمم المتحدة يهدف إلى ترجمة رأي محكمة العدل الدولية إلى عمل سياسي ملموس. بدعم هذه المبادرة والتصرف بحزم الآن، يصبح بوسع صناع السياسات بناء نظام مناخي عالمي قادر على تقديم حلول حقيقية بالسرعة والحجم اللازمين للتصدي لهذه الأزمة.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *