الخالدون في الصويرة: العربي اصليط و عبد الرحمن الزياني محتفى بهما

الخالدون في الصويرة: العربي اصليط و عبد الرحمن الزياني محتفى بهما

- ‎فيثقافة وفن, واجهة
Capture decran 2025 10 26 135120

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

عبد الحق منصف

في الفضاء الذي تسكنه الريح والنور، تعود الصويرة، في لحظة من التجلي، لتصبح جغرافية للذاكرة. فمعرض ” الخالدون في الصويرة” ، الذي يحتضنه حاليا رواق  القصبة، ليس مجرد تكريم لاسمين تاريخيين ، بل عبور نحو ما يتجاوز الصورة، نحو ذلك الحقل الخفي الذي تتجاوب فيه ذاكرتان تشكيليتان  ( العربي اصليط وعبد الرحمن الزياني )  وقد جعلا من التشكيل فضاء روحيا ولغة للمقاومة ضد المحو. إن فنهما لا يمجد خلود الجسد، بل استمرار النظرة، ما يبقى حين يتبدد كل شيء.

Capture decran 2025 10 26 135018 Capture decran 2025 10 26 135045

عند العربي اصليط، تتحول الحروف العربية إلى نَفَس وإيقاع ونور. تغادر الحرفية لتغدو جوهراً. فالكتابة في لوحاته لم تعد كتابة، بل صارت تنفسا. الدائرة الذهبية، المتكررة في أعماله، تعمل كقلب كوني تتلاشى فيه الحدود بين المرئي واللامرئي. تصبح الحروف ذبذبات طاقية، تلامس الصمت مثلما تلامس المقدس. ليست في لوحاته صلاة تُقرأ، بل بحث مفتوح عن التوازن بين الخط والفراغ، بين الفكر والنور. لا يرسم اصليط الحرف، بل يحرره. ومن هذا التحرير يولد ميسم  مغربي في التجريد الحروفي، يزاوج بين التأمل الجمالي والصفاء الروحي، حيث تتحول المادة إلى روح، واللون إلى تأمل ناطق.

Capture decran 2025 10 26 135054 Capture decran 2025 10 26 135108

أما عبد الرحمن الزياني، فيجسد الوجه الآخر للنَّفَس ذاته. لوحته تنبثق من الصدمة، من التوتر، من اندلاع اللون كشرارة وجود. خطوطه الحادة، ومساحاته المشتعلة، تذكر بصراعات الداخل، حيث تتحول الألوان إلى اختبارات للحقيقة. فلوحته ليست وصفا للعالم، بل نداء للذاكرة كي تبعث من رمادها. إن رياح الصويرة، التي تمحو لتكتب، تهب في عمق أعماله، محملة بذلك التناقض الخلاق بين المحو والانبثاق.

 

لا يستعيد الزياني الواقع، بل يفسره من داخل ضوء ذاتي، ضوء جريح لكنه دائم التجدد. ولعل في هذا السر يكمن خلوده الفني: القدرة على تحويل الذاكرة إلى لهب، واللون إلى لغة للبقاء .في هذا الحوار ما بعد الوجود بين فنانين راحلين، تتحول الصويرة إلى رحم رمزي يحتضن المعنى. مدينة على تخوم العناصر والحضارات، كانت ولا تزال فضاء يستقطب الفنانين الذين يرون في الفعل التشكيلي نمطا للوجود ذاته. ضوؤها البحري، وجدرانها البيضاء، وأفقها  الأطلسي المفتوح، جعلوا منها ملاذا لكل أشكال اللامرئي. و رواق  القصبة الذي يحظى برئاسة و إدارة عاشق الفن كبير عطار  ، وفي لروح المكان، لا يكتفي بعرض الأعمال، بل يستعيد خيط الذاكرة الجماعية ويمنحها شكلا جديدا من البقاء.

 

يحمل عنوان المعرض، ” لخالدون في الصويرة” ، دلالة نقدية تتجاوز ظاهرها. فالخلود هنا ليس تمجيدا للماضي، بل استعارة لاستمرار المعنى. أن تكون خالدا، هو أن تواصل الكلام عبر العمل، أن تُخصب نظرة الحاضر. المعرض، بهذا المعنى، فعل تأويل بصري: قراءة للوحة كما يقرأ الوعي نفسه. فلوحات اصليط والزياني ليست آثارا، بل كائنات حية في ذاكرة الفن المغربي.

 

يتجه اصليط نحو النور الداخلي، فيما يتجه الزياني إلى لهب العالم. الأول يتأمل، والثاني يشتعل،  وكلاهما يكشف عن حقيقة واحدة: أن الفن فعل أمل في وجه الفناء. ومن خلال جمعهما في فضاء واحد، تذكرنا الصويرة بأن الفن مقاومة ناعمة ضد العدم، وأن الألوان تحفظ ما لا يقال، وما لا يموت. كما قال ابن عربي: «الرؤيا الصادقة من بقايا النبوة، وهي من إشراقات الروح في يقظة القلب». فالفن، بدوره، رؤيا لا تنطفئ، يستمر حلمها في الوجود ما دام في الإنسان أثر نور أو ذكرى. وهكذا، في صمت جدران القصبة، وتحت أنفاس الريح الأطلسية، تظل الصويرة تحفظ سر خلود مبدعيها. لم يعد العربي اصليط وعبد الرحمن الزياني مجرد اسمين، بل أصبحا أنفاسا، وإيقاعات، وشظايا ضوء. إنهما ترجمان  وعد جمالي وروحي واحد: أن الفن، في جوهره، وعد بعدم الموت.

 

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *