جيل “فري فاير”.. أو حين يعبث الطوابرية بعقول المراهقين السياسيين

جيل “فري فاير”.. أو حين يعبث الطوابرية بعقول المراهقين السياسيين

- ‎فيشن طن, واجهة
مهرجان القنيطرة 20251017 133448 ٠٠٠٠
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

نجيبة جلال

لم يسبق للمغرب أن عرف جيلاً بهذا القدر من الحماسة الفارغة والجرأة المراهقة. جيلٌ يرفع الشعارات كما يرفع أسلحته الافتراضية في لعبة Free Fire، يطلق الرصاص الكلامي في كل اتجاه دون أن يعرف من العدو ومن الصديق، يصرخ باسم الثورة وهو لا يميز بين السلطة والمسؤولية، وبين الحرية والفوضى.

إنه جيل “زِيد” الذي أراد أن يخوض تجربة الاحتجاج دون رؤية ولا بوصلة. اندفع إلى الشارع الرقمي بخطابٍ غاضب ومتناقض، يجمع بين رفض الدولة والمطالبة بخدماتها، وبين مهاجمة المؤسسات والاحتماء بها. جيلٌ لا يُدرك أنه يطالب بالحرية وهو يضع نفسه طوعاً تحت وصاية من يُضللونه صباح مساء.

الطوابرية الذين خبروا لعبة التلاعب بالعقول، عادوا اليوم بلباسٍ جديد، يُغذّون هذا الجيل بالوهم ذاته الذي سوّقوه في مراحل سابقة. لم يغيروا سوى الوسيلة: من المنشور الحزبي إلى البث المباشر، ومن الشعارات الثورية إلى “الميمات” و”الهاشتاغات”. يتحدثون عن التنوير فيما يعيشون على ظلمات الأكاذيب، ويُنادون بالكرامة وهم من تاجر بها في أسواق الخارج.

لقد وجد هؤلاء في “جيل فري فاير” ضالتهم: شبابٌ متعطّش للبطولة، بلا تجربة ولا ذاكرة، سهل الانقياد أمام خطابٍ يُغذّي الغضب ويُخدر العقل. يحولونهم إلى جنودٍ افتراضيين يُنفذون أجندة الصدام مع الوطن، وهم يظنون أنهم يُصلحون الواقع.

السياسة عند هذا الجيل لم تعد مشروعاً ولا التزاماً، بل مباراة تُدار بالأنا والانفعال، تُكسب فيها النقاط بعدد المشاهدات لا بعمق الأفكار. ومن خلف الشاشات، يطل الطوابرية بابتساماتهم المصطنعة، يوزعون دروس “الوعي”، وهم أكثر الناس جهلًا بحدوده.

إن أخطر ما نعيشه اليوم هو هذا التحالف بين الجهل والحماس، بين الشباب الباحث عن معنى، والطوابرية الذين يتقنون بيع المعنى المزيف. في خضم هذه الفوضى، تحوّل النضال إلى تسلية، والسياسة إلى ترفٍ كلامي، والوطن إلى موضوعٍ للنقاش لا للانتماء.

جيل “فري فاير” لا يحتاج إلى مزيدٍ من التحريض، بل إلى من يوقظه من سباته. يحتاج إلى من يعلمه أن الثورة ليست لعبة، وأن الوطن ليس ساحة تجريب لأوهام الطوابرية. فبين العالم الواقعي والعالم الافتراضي، هناك وطن حقيقي يُبنى بالفعل لا بالهتاف، وبالوعي لا بالتحريض.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *