راديو إكسبرس
البث المباشر
ابو سارة القنيطري/
لا يحتاج المتابع المدقق لكثير من الجهد كي يدرك أن سليمان الريسوني لم يعد يكتب بصفته صحفياً يبحث عن الحقيقة، بل كناشط يتقن فن التحامل والتضليل. تدوينته الأخيرة، التي تحاول جرّ اسم المغرب إلى قضية برنامج “بيغاسوس” وربطه المزعوم بالتجسس على رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من الافتراءات التي يروج لها بإصرار مريب.
القضية في أصلها محسومة. الحكومة الإسبانية نفت، مراراً وتكراراً، أي علاقة للمغرب ببرنامج التجسس المذكور. في أبريل 2024، وصفت مدريد تلك المزاعم بأنها خدعة و”نظريات مؤامرة” يختلقها سياسيون متطرفون. تقرير الأمن القومي الإسباني لسنة 2023 لم يشر إطلاقاً إلى المغرب، بل حدد تهديدات مصدرها دول مثل الصين وروسيا. المحكمة الوطنية الإسبانية، أعلى هيئة قضائية مختصة، أغلقت التحقيق في يوليو 2023 لغياب أي دليل يدين الرباط. إذن، نحن أمام معطيات موثقة، صادرة عن مؤسسات رسمية في الدولة المعنية، لا تحتمل التأويل.
ورغم كل ذلك، يصرّ الريسوني على إعادة تدوير الوهم نفسه. يتكئ على مقال كتبه رقيب سابق في الجيش الإسرائيلي ليصنع مادة دعائية، وكأن شهادات رسمية صادرة عن الحكومة الإسبانية أقل مصداقية من تكهنات عسكري متقاعد يبحث عن الأضواء. هنا تتجلى المفارقة: الرجل يهاجم المغرب بحجة الدفاع عن الحقيقة، بينما ينهض خطابه على أوهام لا أساس لها.
الأدهى من ذلك أن أسلوب الريسوني يكشف عن نزعة شخصية تتجاوز حدود الصحافة. فبدل الانشغال بالبحث عن الأدلة، ينغمس في خطاب شخصي عدائي ضد المغرب، يفتقر إلى النزاهة المهنية. هو لا يكتفي بانتقاد السياسات، بل يسعى إلى تشويه صورة بلد بأكمله، متغاضياً عن كل المؤشرات الإيجابية في العلاقات المغربية الإسبانية، التي تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها استقراراً وتعاوناً.
الصحافة، في جوهرها، التزام بالحقيقة واحترام للعقل العام. أما ما يفعله الريسوني فهو العكس: صناعة الأكاذيب وتقديمها في قالب مقالات وتدوينات، تُستهلك فقط لأنها مثيرة، لا لأنها صحيحة. هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا الإصرار على هذه المعركة الخاسرة؟ الجواب بسيط. لأن الرجل لم يعد يبحث عن المصداقية، بل عن استمرار حضوره في المشهد عبر افتعال معارك وهمية.
المغرب لا يحتاج إلى تبرئة نفسه كل مرة تظهر فيها مزاعم من هذا النوع. الوقائع كافية. المحاكم الدولية قالت كلمتها. تقارير الأمن القومي الإسباني كانت واضحة. تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية لم تترك مجالاً للشك. هذه الأدلة وحدها تكفي لإسكات أي نقاش جاد. لكن أمام من يتاجر بالأكاذيب، تصبح الحقائق مجرد تفاصيل مزعجة.
في النهاية، ما يفعله الريسوني لا يضر المغرب بقدر ما يضر صورة الصحافة نفسها. الصحفي الذي يتخلى عن واجب التحري ويستبدله بالرغبة في الإثارة، يتحول إلى جزء من المشكلة بدل أن يكون جزءاً من الحل. من حق أي كاتب أن يعبر عن رأيه، لكن ليس من حقه أن يختلق الوقائع.
المغرب اليوم ماضٍ في ترسيخ شراكات دولية، وخاصة مع الجارة إسبانيا. هذه الشراكة لا تهتز بتدوينة ولا بمقال مسموم. أما من يصرّ على تحويل الكذب إلى مشروع حياة، فلن يحصد سوى العزلة. الحقيقة أقوى من كل حملات التشويه، والمغرب أثبت بالبرهان أنه عصيّ على الوهم.
![]()







