المسار الذي يسلكه نتنياهو يقود إسرائيل إلى الخراب

المسار الذي يسلكه نتنياهو يقود إسرائيل إلى الخراب

- ‎فيمقالات رأي دولية, واجهة
نتنياهو : عيران ياشيف - دانيال تسيدون

راديو إكسبرس

البث المباشر

عيران ياشيف:  أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، هو عضو مركز الاقتصاد الكلي في كلية لندن للاقتصاد، ورئيس سابق لبرنامج الأمن القومي والاقتصاد في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب.

دانيال تسيدون: أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة تل أبيب، ونائب الرئيس التنفيذي السابق لبنك Bank Leumi Le-Israel، ومؤسس وشريك عام شركة Viola Fintech.

تل أبيب ــ تُعد الحكومة الإيطالية الحالية بين أكثر الحكومات صداقة لإسرائيل في تاريخ البلاد، ولهذا السبب يجب أن تدق تصريحات وزير الدفاع الإيطالي جيدو كروسيتو الأخيرة حول الحرب الدائرة في غزة أجراس الإنذار في أوساط الإسرائيليين، وخاصة داخل الحكومة.

في مقابلة مع صحيفة “لا ستامبا” ( La Stampa وجه كروسيتو رسالة صريحة إلى قادة إسرائيل. قال إن “محاربة الإرهابيين لم تعد عذرا”، مضيفا “نحن في احتياج إلى قرارات تجبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التوقف”. ثم أضاف أن مثل هذه التدابير لا ينبغي أن تكون موجهة ضد إسرائيل ذاتها، بل يجب أن تكون “وسيلة لإنقاذ شعبها من حكومة فقدت عقلها وإنسانيتها”.

كروسيتو على حق. لقد أوقعت الحرب الدائرة في غزة خسائر فادحة ليس فقط بأرواح الفلسطينيين، بل أيضا باقتصاد إسرائيل، وديمقراطيتها، ومكانتها العالمية. وبدون تغيير فوري للمسار، قد تتسبب أجندة نتنياهو في جعل إسرائيل منبوذة دوليا لعقود قادمة.

صحيح أن جولة العنف الحالية بدأت بالهجوم الذي شنته حماس على مدنيين إسرائيليين في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وصحيح أن هذا الهجوم شمل القتل، واعتداءات جنسية، وعمليات اختطاف، حيث قُتل ما يقرب من 1200 مدني. وصحيح أن خمسين شخصا (معظمهم إسرائيليين) ما زالوا حتى الآن، بعد مرور عامين تقريبا على الهجوم، في عداد المفقودين، إما كرهائن محتجزين لدى حماس أو قتلى.

بيد أن ما بدأ كردة فعل إسرائيلية تتعلق بوجودها على تلك الفظائع التي ارتكبتها حماس انحرف ليتحول إلى تدمير شامل. لقد حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن ثلث سكان غزة أمضوا أياما دون طعام. ورغم أن الاحتجاج الدولي على نقص الغذاء المتاح أدى بالفعل إلى زيادة في الإمدادات، فإن تلك الزيادة لم تكن ذات فائدة تُـذكَر، بسبب طريقة التوزيع التي شجعتها الحكومة الإسرائيلية، ونفذتها شركة خاصة، وفُـرِضَـت على الجيش المطيع، وإن كان عازفا، مهمة الإشراف عليها.

وقد خَلص تقرير صادر مؤخرا عن خبراء تابعين لمنظمة الأمم المتحدة إلى أن التجويع يؤثر الآن على ما لا يقل عن نصف مليون شخص في شمال غزة، بما في ذلك مدينة غزة. ويشير اقتراح الحكومة الإسرائيلية في يوليو/تموز بإنشاء “مدينة إنسانية” من شأنها أن تجبر مئات الآلاف من سكان غزة على البقاء في العزل، والقرار الصادر في أغسطس/آب بغزو مدينة غزة، والذي يشمل تنفيذ مزيد من عمليات الترحيل القسري، إلى أن الوضع سيزداد سوءا.

تُـصِـر حكومة نتنياهو على الاستمرار على مسارها المدمر الهَـدّام لأن بقاءه السياسي يعتمد على ذلك. الواقع أن نتنياهو، الذي أضعفته محاكمات بتهمة الفساد، لا سبيل له للتشبث بالسلطة إلا من خلال حرب لا تنتهي، وهذه الرغبة تمنح أكثر أعضاء ائتلافه تطرفا اليد الطولى، حيث يدعو بعضهم صراحة إلى ترحيل الفلسطينيين جماعيا من غزة والضفة الغربية. الواقع أن المجاعة والتهجير من منظورهم ليسا عواقب غير مقصودة بل هدفين.

هذه الاستجابة الإسرائيلية الجارية أكثر من مجرد كارثة أخلاقية. فكما كتب 24 من أبرز الاقتصاديين الأكاديميين ــ من بينهم 11 من الحائزين على جائزة نوبل ــ في رسالة مفتوحة موجهة إلى نتنياهو مؤخرا، أصبحت إسرائيل على شفا إلحاق ضرر دائم بذاتها.

لا ينبغي للقادة الغربيين أن يتعاملوا مع السياسات التي تنتهجها إسرائيل في غزة على أنها “عمل كالمعتاد”. إن الاستمرار في دعم حكومة نتنياهو يعني تمكين نظام مارق، أقرب إلى روسيا تحت حكم فلاديمير بوتن منه إلى الديمقراطية الغربية. لن تقف أوروبا مكتوفة الأيدي وهي تواجه ضغوطا داخلية هائلة لحملها على التحرك لإنقاذ شعب غزة. والعقوبات الموجهة ضد إسرائيل أصبحت أكثر احتمالا من أي وقت مضى. هذا من شأنه أن يقوض تجارة إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي، أكبر شركائها التجاريين، ويعرض للخطر قسم كبير من التمويل البحثي الذي يدعم قطاع التكنولوجيا المزدهر في إسرائيل.

الآن بدأت بالفعل تخفيضات الجدارة الائتمانية، وأصبحت تكاليف الاقتراض في ارتفاع، والإسرائيليون المهرة يهاجرون بأعداد كبيرة. وفي حين قد تختار الولايات المتحدة، لأسباب استراتيجية خاصة بها، أن تتحمل جزءا من هذه التكاليف، فمن الصعب أن نرى أي طريقة لتجنيب الاقتصاد الإسرائيلي الضرر الشديد لسنوات عديدة بسبب سياسات نتنياهو.

وحتى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، العازفة عن تمويل حروب خارجية، لديها أسباب خاصة تحملها على إعادة النظر في دعمها لاستراتيجية إسرائيل في غزة. فقد خلص خبراء اقتصاديون إسرائيليون بارزون قدموا استشارات لنتنياهو وحكومته على مدى عقود إلى أن إسرائيل لا تستطيع تمويل غزو مدينة غزة و”استضافة” أكثر من مليوني شخص إلى أجل غير مسمى، وكما كانت الحال في أعقاب حرب 1982 بين إسرائيل ولبنان، سوف يُـفضي تفاقم الوضع المتردي أصلا في غزة إلى تكبيد الولايات المتحدة مليارات الدولارات في الأرجح، فضلا عن أكثر من 20 مليار دولار جرى إنفاقها بالفعل على المساعدات العسكرية لإسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

الطريق إلى الأمام مفصل بوضوح في رسالة الاقتصاديين. أولا، يتعين على إسرائيل أن تعمل على توفير القدر الكافي من المساعدات الغذائية والطبية للإبقاء على سكان غزة على قيد الحياة، ويجب أن تُـقاس هذه المساعدات بكفاءتها وليس فقط بحجم المواد الغذائية التي تدخل غزة (ثم تظل بعيدة عن متناول الناس). ثانيا، يتعين على إسرائيل أن تتخلى عن أي خطط لتجميع سكان غزة في مخيمات. ثالثا، يجب على إسرائيل أن تلتزم علنا بحقوق الإنسان الأساسية وفقا للقانون الدولي، حتى في فترات النزاع المسلح. وأخيرا، يتعين على إسرائيل أن تسعى إلى وقف حقيقي لإطلاق النار يعيد الرهائن إلى ديارهم وينهي القتال، وينبغي للحكومات الغربية أن تستخدم الدبلوماسية، والتدابير الاقتصادية، والسياسة لحمل إسرائيل على تنفيذ هذه الخطوات.

اليوم، تقف إسرائيل عند مفترق طرق. فإما أن تختار طريق التطرف الذي يسلكه نتنياهو، والذي سيؤدي حتما إلى مزيد من الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، والعزلة الدولية، والانحدار الوطني. أو بإمكانها أن تستجيب لتحذيرات الحلفاء وأفضل عقولها وتستعيد مستقبلها الديمقراطي.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *