مخاطر الطبيعة هي في حقيقة الأمر مخاطر مالية

مخاطر الطبيعة هي في حقيقة الأمر مخاطر مالية

- ‎فيمقالات رأي دولية, واجهة
Patrick Odier Julie McCarthy
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

جولي مكارثي : الرئيسة التنفيذية لشركة NatureFinance

باتريك أودييه : رئيس منظمة “بناء الجسور” (Building Bridges) ورئيس المجلس الإشرافي في مجموعة لومبارد أودييه (Lombard Odier Group)

نيويورك ــ في السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2004، تسبب زلزال هائل تحت قاع البحر في إطلاق موجات مد عارمة، “تسونامي”، أسفرت عن مقتل 230 ألف شخص في مختلف أنحاء جنوب شرق آسيا، بوغِـت الجميع تقريبا، البشر والحيوانات على حد سواء، مع استثناء ملحوظ: الفيلة. في أماكن مثل تايلاند وسريلانكا، أصبحت الأفيال متهيجة ومتوترة قبل ساعات من وصول الأمواج. هربت الأفيال البرية إلى أراض مرتفعة، وتحدت الأفيال الأسيرة مدربيها، وأحيانا وهي لا تزال تحمل سياحا فوق ظهورها. تستشعر الأفيال الاهتزازات المنخفضة التردد التي تعجز معظم الأنواع عن تمييزها، وعلى هذا فقد استجابت لإشارات الإنذار المبكر ــ وكانت نجاتها أكثر ترجيحا بأشواط.

واليوم، تختمر كارثة أخرى أكبر كثيرا، حيث يهدد الانحباس الحراري الكوكبي السريع والتدهور البيئي المتصاعد كل قطاع من قطاعات الاقتصاد العالمي. وبينما يواصل عدد كبير من المستثمرين أعمالهم كالمعتاد، كما لو كانوا غير مدركين لما هو قادم، تحاول مجموعة واحدة الابتعاد عن طريق الأذى: أصحاب الأصول الطويلة الأجل، مثل صناديق التقاعد ومديري الثروات السيادية.

هؤلاء المستثمرون، على عكس صناديق التحوط أو شركات الأسهم الخاصة، يتخذون منظورا جيليا للأصول التي يديرونها. فهم لا يملكون تَـرَف تجاهل الصلة التي لا تنفصم بين الاستقرار المالي العالمي والاستقرار البيئي، وهو الوعي الذي انعكس في مبادرات جديدة مثل تحالف بند تعليق الديون والمركز العالمي لمقايضة الديون مقابل التنمية. وفي حين يزعم بعض المراقبين أن وضع تغير المناخ في الحسبان يُـعَـد “تحريفا للمهام” بالنسبة للجهات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي، يدرك المستثمرون الـروّاد أن المخاطر المرتبطة بالطبيعة والمناخ ستتجسد في صدمات في الأمدين القريب والمتوسط، وسوف تؤثر على كل جانب من جوانب الاقتصاد العالمي.

لذا، حتى مع استمرار عدد كبير من المساهمين والرؤساء التنفيذيين في التركيز على النتائج الفصلية، بدأ أصحاب الأصول الطويلة الأجل يدققون في الشركات بحثا عن مخاطر رأس المال الطبيعي، في محاولة لتوقع الصدمات البيئية التي قد تقلل من قيمة أصولهم في الأمد البعيد. الآن، يعمل صندوق التقاعد الحكومي النرويجي العالمي، الذي يدير أصولا بقيمة 1.7 تريليون دولار أميركي، على تقييم 96% من محفظته بحثا عن مثل هذه المخاطر. هذا ليس مجرد تنقيح داخلي للتعهدات البيئية والاجتماعية وتلك المرتبطة بالحوكمة (ESG)؛ إنه تغيير مؤسسي كبير.

والنرويج ليست وحدها. فمؤخرا، بدأ صندوق التقاعد الحكومي في فنلندا استكشاف طرق لتحديد المخاطر المالية المرتبطة بالطبيعة كميا فيما يتعلق بالتزامات معاشات التقاعد الطويلة الأجل. كما بدأت شركة تيماسيك القابضة (Temasek Holdings) في سنغافورة استخدام بيانات الرصد بالأقمار الصناعية وبيانات التنوع البيولوجي لتقييم المخاطر والفرص المرتبطة برأس المال الطبيعي.

في وقت حيث تحولت أطر الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات إلى نقطة مضيئة في الحروب السياسية والثقافية، لا شك أن هذه الإجراءات ليست مدفوعة بالضغوط السياسية أو الاتجاهات الاجتماعية، بل بالحس البرجماتي ــ والشعور المتزايد بالحاجة الـمُـلِحّـة. الواقع أن الطقس القاسي، وخسارة التنوع البيولوجي، والإجهاد المائي، وندرة الموارد، كلها عوامل تتسبب في تعطيل الاقتصادات، حيث تكون البلدان المتدنية الدخل المعرضة للخطر هي الأشد تضررا. 

في عام 2022، دمرت الفيضانات في باكستان قطاع الزراعة ــ الذي يوظف 40% من القوى العاملة ــ فأفضى ذلك إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية ودفع البلاد إلى حافة التخلف عن سداد الديون. وفي إندونيسيا، أدت إزالة الغابات وتدهور أراضي الخث في إندونيسيا بسبب الإنتاج غير المستدام لزيت النخيل إلى فرض حظر مؤقت على التصدير في عام 2022. وفي البرازيل وإثيوبيا، تسبب ارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار إلى انخفاض محاصيل البن بشدة في السنوات الأخيرة، ونتيجة لهذا، سجلت الأسعار العالمية ارتفاعا شديدا وتمكن الضعف من الدخل الريفي وعائدات التصدير.

والبلدان المرتفعة الدخل ليست بمنأى عن هذه المخاطر. في الولايات المتحدة، تتسبب موجات الجفاف الطويلة في تقليص غلة المحاصيل من أركنساس إلى أوكلاهوما، الأمر الذي يجبر المزارعين على حفر آبار أعمق والتحول إلى محاصيل أقل ربحية. من ناحية أخرى، تتسبب الكوارث المرتبطة بالمناخ، مثل الأعاصير وحرائق الغابات، في دفع شركات التأمين على المنازل إلى رفع أقساط التأمين، وتقليل التغطية، بل وحتى الخروج من المناطق العالية المخاطر. في أوروبا، أثرت المخاطر المرتبطة بالطبيعة على إنتاج زيت الزيتون في إيطاليا واليونان؛ وعنب النبيذ في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا؛ وإمدادات الأخشاب في وسط وشمال أوروبا؛ وصيد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط؛ والنقل على نهري الراين والدانوب. وهذا لا يقترب حتى من تغطية التكاليف البشرية الهائلة المترتبة على أزمات الطبيعة والمناخ، والتي تتجلى في أماكن مثل فالنسيا وتكساس.

مع ذلك، لم تظهر مثل هذه المخاطر بالقدر الكافي في الأسعار بموجب النماذج المالية. يرجع هذا جزئيا إلى حقيقة مفادها أن البيانات المرتبطة برأس المال الطبيعي، على عكس البيانات المرتبطة بالانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري، تظل مجزأة وغير متسقة ويصعب الوصول إليها. والمخاطر معقدة وجهازية ــ تتقاطع أزمات ندرة المياه، وخسارة التنوع البيولوجي، وتغير المناخ عبر القطاعات والحدود، فيتسبب هذا في إحداث تأثيرات متوالية ــ ولا توجد معايير للقياس أو الإبلاغ. ونتيجة لهذا، تفتقر معظم البنوك إلى المعلومات التي تحتاج إليها، وخاصة البيانات المحددة تبعا للموقع، لتقييم التبعات البيئية التي يتحملها المقترضون.

ولكن بدأت تظهر أدوات جديدة من الممكن أن تساعد في سد هذه الثغرات. على سبيل المثال، استكشاف فرص رأس المال الطبيعي، ومخاطره، ومدى التعرض لها أداة مجانية على الإنترنت تساعد المؤسسات المالية على تحديد المخاطر المرتبطة بالطبيعة التي تتعرض لها من خلال الإقراض، والاكتتاب، والاستثمار في الصناعات العالية المخاطر. 

علاوة على ذلك، وضعت فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المرتبطة بالطبيعة مجموعة من توصيات الإفصاح والإرشادات التي تهدف إلى مساعدة الشركات والمؤسسات المالية على دمج الطبيعة في عملية صنع القرار. طورت بعض البنوك المركزية نماذج سيناريوهات متكاملة تهدف إلى تقييم تأثير المخاطر المرتبطة بالمناخ والطبيعة على الاقتصاد والنظام المالي. أضف إلى ذلك تكنولوجيا البيانات البيولوجية الجديدة، فتصبح وسائل العمل اللازمة قائمة بالفعل. ولا يحتاج المستثمرون إلى التحليق على غير هدى.

لم تعد المسألة مسألة وعي. فمع مواجهة المستثمرين بالفعل للعواقب المالية المترتبة على انعدام الاستقرار البيئي ــ من الأصول الزراعية العالقة إلى انخفاض التصنيفات الائتمانية السيادية في الاقتصادات المعرضة للمخاطر المرتبطة بالمناخ ــ لم يعد هناك أي مجال للشك في أن مخاطر الطبيعة هي في حقيقة الأمر مخاطر مالية. والآن تقع على عاتق مالكي الأصول، والبنوك المركزية، ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي المسؤولية عن إدماج هذا الإدراك في كل أنشطتها ــ قبل أن تَـحل الصدمة التالية التي يمكن الوقاية منها. ستكون المؤسسات التي تتولى زمام القيادة هي تلك الراغبة في الخروج من الصوامع، ومواءمة رأس المال مع الحدود الكوكبية، والاستثمار ليس فقط في الأسواق، بل أيضا في الأنظمة التي تدعمها.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *