راديو إكسبرس
البث المباشر
سليم فقير : المؤسس والمدير التنفيذي لمؤسسة المناخ الأفريقية
بدأت أفريقيا تتولى زمام أمور مستقبلها المناخي بنفسها، إدراكا منها لعدم قدرتها على الاعتماد على المساعدات الخارجية والتمويل التقليدي لجهود التنمية لتلبية احتياجاتها، تعمل القارة على حشد الاستثمارات باستخدام نماذج جديدة تدمج المبادرات المناخية مع أهداف التنمية، هذه ليست مسألة إعادة صياغة نُهُج قديمة؛ بل يمثل تغييرا جذريا في كيفية تصميم العمل المناخي وتنفيذه في مختلف أنحاء أفريقيا.
عندما ظهر تمويل العمل المناخي لأول مرة في تسعينيات القرن العشرين، كان يتشكل وفقا لمبادئ المسؤولية والمساعدة، حيث كان من المتوقع أن تدعم الاقتصادات المتقدمة نظيراتها في البلدان النامية من خلال التحويلات المالية. كان تمويل العمل المناخي في بداياته موجها إلى حد كبير نحو التخفيف من التأثيرات المترتبة على تغير المناخ، وكان منظما من خلال آليات قائمة على المشاريع عكست أولويات المانحين بدلا من احتياجات المتلقين.
وقد جسدت آلية التنمية النظيفة، التي أنشئت بموجب بروتوكول كيوتو عام 1997، هذا النهج. فسمحت هذه الآلية للبلدان الصناعية بالاستثمار في مشاريع تقلل الانبعاثات في الاقتصادات النامية بدلا من السعي إلى تخفيضات أكثر تكلفة للانبعاثات في الداخل، بغض النظر عما إذا كانت المشاريع تتماشى مع مسارات التنمية أو احتياجات التكيف في البلدان.
مع تطور نظام المناخ، بدأ الاعتراف بأوجه القصور التي عابت هذا النهج المبكر، وتوسع نطاق التمويل المناخي ليشمل جهود التكيف والالتزامات التمويلية الأطول أمدا. كان إدخال المساهمات المحددة وطنيا بموجب اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015 خطوة واعدة بشكل خاص، حيث سعت صراحة إلى مواءمة التمويل مع استراتيجيات التنمية في البلدان.
لكن في الممارسة العملية، ظل نموذج تمويل العمل المناخي في أفريقيا دون تغيير إلى حد كبير. وظلت الإجراءات المناخية مرتبطة بالقوة الناعمة، وممولة من مساعدات التنمية الرسمية، وتنفذ إلى حد كبير على أساس كل مشروع على حدة. وظلت جهود التخفيف تحظى بالأولوية على جهود التكيف، على الرغم من تعرض أفريقيا الشديد للتأثيرات المترتبة على تغير المناخ.
وبشكل أكثر جوهرية، استمرت قوى خارجية ــ الحكومات، والمنظمات غير الحكومية، ووكالات التنمية ــ في اتخاذ قراراتها بناء على تصوراتها الخاصة للمخاطر المناخية، ففرضت حلولا لم تعكس أولويات أو وجهات نظر أفريقيا. ورغم أن المشاريع الفردية ربما حققت في بعض الأحيان فوائد محلية، فإنها فشلت على نحو مستمر في سد فجوات البنية الأساسية، ناهيك عن تعزيز قدرات الدولة أو تحويل الأسواق والنظم الاقتصادية.
تفاقمت نقاط الضعف هذه أثناء أزمة كوفيد-19، عندما توقفت تدفقات تمويل العمل المناخي إلى أفريقيا، ولم تُـحَل في أعقاب الجائحة، حتى مع انتعاش التدفقات. وفقا لمبادرة سياسة المناخ، ارتفع تمويل العمل المناخي الموجه إلى أفريقيا بنسبة 48% بين الفترة 2019-2020 والفترة 2021-2022، من 29.5 مليار دولار إلى 43.7 مليار دولار، مدفوعا إلى حد كبير بتجدد المشاركة المتعددة الأطراف والتعافي الجزئي في الاستثمار الخاص.
عكس هذا التعافي انتعاشا عالميا أوسع نطاقا: حيث تجاوز تمويل العمل المناخي على مستوى العالم 2 تريليون دولار لأول مرة في عام 2024، بما يمثل نموا بنسبة 8% تقريبا على أساس سنوي. ومع ذلك، كان هذا النمو أبطأ من النمو المسجل بنسبة 15% بين عامي 2022 و2023، بما يعكس العوامل غير المواتية بما في ذلك ارتفاع أسعار الفائدة، وانخفاض أسعار الغاز الطبيعي، والقيود المفروضة على البنية الأساسية للشبكة. ولم تواكب حصة أفريقيا من الكعكة النمو الإجمالي.
كما حدث تحول نحو الاستثمارات الموجهة نحو جهود التخفيف. خلال الفترة 2019-2020 و2021-2022، انخفضت حصة التمويل الإجمالي المخصص لجهود التكيف في أفريقيا من 39% إلى 32%، ويرجع هذا بدرجة كبيرة إلى توسع التمويل المزدوج الفائدة الذي يجمع بين أهداف التخفيف والتكيف. وفي حين أن هذه النسبة تجعل نظيراتها تبدو ضئيلة للغاية في مناطق أخرى، بما في ذلك أميركا اللاتينية، وجنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط (من 1% إلى 14%)، فإن المجموع يظل غير كاف لحماية البلدان الأفريقية من التأثيرات المناخية المتصاعدة سريعا. حدثت أكبر الزيادات في التمويل المناخي في عام 2024 في قطاع النقل، وخاصة المركبات الكهربائية ــ بما جعلها تركز على جهود التخفيف ــ مع تصدر الصين، والبرازيل، وفيتنام، وإندونيسيا لهذه الجهود.
في مواجهة ركود تمويل جهود التكيف وتفاقم التأثيرات المترتبة على تغير المناخ، يأخذ الأفارقة زمام الأمور بأيديهم، فيبتكرون نُهجا جديدة لتمويل المناخ تعكس احتياجاتهم على نحو أفضل. من الأمثلة البارزة هنا شراكة انتقال الطاقة العادل في جنوب أفريقيا، وهي منصة استثمارية رائدة تسعى إلى مواءمة التمويل المرتبط بالمناخ ــ لا سيما لدعم إزالة الكربون من نظام الطاقة ــ مع استراتيجيات أعرض للتنمية الاقتصادية والنمو. منذ طُرِح هذا المفهوم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2021 في جلاسكو (مؤتمر الأطراف السادس والعشرين)، حذت إندونيسيا، وفيتنام، والسنغال حذو جنوب أفريقيا في توقيع شراكات انتقال الطاقة العادل مع الاقتصادات المتقدمة في مجموعة الشركاء الدوليين.
وكما أشار فريق الخبراء الأفريقي في تقرير صادر مؤخرا، توفر منصات الاستثمار مثل شراكة انتقال الطاقة العادل آلية منظمة لتحديد المشاريع القابلة للتمويل وتقليل تكلفة رأس المال. هذا من الممكن أن يقلل من الضغوط المرتبطة بالديون، مع حشد مصادر أكبر وأكثر تنوعا لتمويل العمل المناخي والتنمية، والتي كانت لتظل بعيدة المنال لولا ذلك.
من المؤكد أن تحديات مهمة لا تزال تنتظرنا. عندما تكون الحقوق من الدرجة الأولى (المدنية والسياسية) ومن الدرجة الثانية (الاجتماعية والثقافية والاقتصادية) على المحك، لن يتمكن أي برنامج بمفرده أو منصة بمفردها من تحقيق الشمولية ــ ولا حتى تلك المصممة، مثل شراكة انتقال الطاقة العادل، لتعزيز العدالة والمساواة. بدلا من ذلك، يتطلب الاقتصاد الأكثر شمولا إصلاحات سياسية ومؤسسية أوسع نطاقا، مدعومة من النخب السياسية، والمالية، والاقتصادية التي تتبنى منظورا مستنيرا وطويل الأمد.
لكن شراكات انتقال الطاقة العادل من الممكن أن تعمل على تعزيز هذا الجهد. من خلال دمج اعتبارات العدالة الاجتماعية في أطر الاستثمار ــ بما في ذلك اختيار المشاريع، وتقييمها، وإدارتها ــ يصبح بوسعها دعم التغيير التدريجي على نطاق النظام بالكامل. بناء على ذلك، تمثل شراكات انتقال الطاقة العادل نموذجا تحويليا حقيقيا لتمويل العمل المناخي، يتماشى مع احتياجات البلدان ومصالحها.
برغم أن نماذج الاستثمار المناخي التي تتبناها البلدان الأفريقية لا تزال في المراحل الأولى من التطور، فإنها تفتح بالفعل آفاقا جديدة للمشاركة راسخة بقوة في الاقتصاد الحقيقي. ومع نضوجها، فإنها تَـعِـد بحشد مبالغ أكبر من رأس المال الجديد والميسر ــ وهو على وجه التحديد ما تحتاج إليه أفريقيا للحفاظ على الاستثمار والقدرة الإنتاجية، ودعم المرونة الاقتصادية في خضم الصدمات المناخية وصدمات الاقتصاد الكلي، والمضي قدما في تحقيق أهداف التنمية الطويلة الأمد.
ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel
![]()









