راديو إكسبرس
البث المباشر
ناندان نيليكاني : مؤسس وراعي “شبكات من أجل الإنسانية” (Networks for Humanity)
أشيش خانا : مدير عام التحالف الدولي للطاقة الشمسية
في قسم كبير من الجنوب العالمي، تُـعَـد الكهرباء موردا مصيريا. في حين يؤطَّر تحول الطاقة غالبا من منظور مناخي، فإن مليارات الأشخاص يفهمونه في المقام الأول على أنه وسيلة لتوسيع الفرص، وضمان القدرة على تحمل التكاليف، وتحسين تقديم الخدمات.
وعلى هذا، فإن المرحلة التالية من ثورة الطاقة النظيفة لن تقودها البلدان التي تبني عددا أكبر من الألواح الشمسية، بل تلك التي تحدث شبكاتها، وأسواقها، ومؤسساتها وفقا لذلك. سوف يكون التحديث هو الأولوية الرئيسية لأن الشبكات الأكثر نظافة هي بطبيعة الحال أشد تعقيدا.
كان نموذج الكهرباء القديم بسيطا: كانت المحطات تولد الطاقة التي تنقلها الشبكة مباشرة إلى المستهلكين من الشركات والمنازل. أما النموذج الجديد فهو مختلف. فقد أصبحت الكهرباء لامركزية مع اتجاه المنازل، والمزارع، والشركات الخاصة إلى الاعتماد على الألواح الشمسية على أسطح البنايات، وأنظمة تخزين البطاريات، والأجهزة الكهربائية، ولم يعد المواطنون مستهلكين سلبيين بل أصبحوا “منتجين مستهلكين” يولدون الطاقة ويستهلكونها في الوقت ذاته.
تتسبب اللامركزية والطاقة المتجددة في تعقيد الأمور، لأنه في حين تظل التوقعات بخدمة ثابتة الجودة قائمة، فإن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أكثر تقلبا، وأصول أنظمة الطاقة موزعة على نطاق أوسع. لمواكبة الاحتياجات، تحتاج الشبكات النظيفة إلى مسارات رقمية مشتركة ــ تشبه إلى حد كبير الإنترنت ــ حيث تتواصل أصول متنوعة عبر شبكة أساسية مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني.
الواقع أن الشبكات المجهزة بالذكاء الاصطناعي والمبنية على مسارات قابلة للتشغيل البيني مع بيانات وقدرات واقعية، لن تقل أهمية لجهود تنمية الجنوب العالمي عن البنية الأساسية التقليدية مثل الطرق والموانئ. إن الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في توصيل الطاقة أمر بديهي. فهذه التكنولوجيا مناسبة تماما لتحسين توقعات الطلب؛ وترشيد عمليات الشراء والتسليم؛ وتقليل الخسائر الفنية. وهي تسهل بالفعل الصيانة القائمة على التنبؤ لمنع انقطاع التيار الكهربائي، وتبسيط الفواتير والتحصيل، وتعزيز صحة المرافق ماليا.
والمكاسب المتوقعة كبيرة. لفترة طويلة للغاية، تسببت أوجه القصور التشغيلية وخسائر التوزيع في خلق ضريبة ضمنية على الاقتصادات النامية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى زيادة تكاليف الكهرباء وتقليل إمكانية التعويل عليها. في هذا السياق، من الممكن أن تضطلع شبكة مدمجة مع الذكاء الاصطناعي بوظيفة حاسمة: تحويل الطاقة النظيفة إلى فوائد ملموسة للمواطنين، في هيئة جودة خدمة أعلى، ونفقات أقل، وانقطاعات أقل في الخدمة، وتوصيل أسرع. ستصبح الطاقة متاحة للجميع على نحو غير مسبوق.
علاوة على ذلك، تتطلب الأنظمة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي مجموعة من المهارات، لذا فإن اعتمادها سيوسع الفرص المتاحة لرواد الأعمال والعاملين الذين يساهمون في نمو القطاع. لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب نهجا أكثر شمولا. في الوقت الحالي، يتسم المشهد المدعوم بالذكاء الاصطناعي بالتشظي، حيث نجد تجارب رائدة لإنشاء لوحة تحكم جديدة في إحدى المدن، ونموذج تنبؤي جديد في مرفق واحد، و”عداد ذكي” جديد في المدينة المجاورة. هذه المشاريع نادرا ما “تتواصل” بين بعضها بعضا، وهي تعتمد عادة على أنظمة التملك، بما يعني أنها من غير الممكن أن تتوسع. والنتيجة هي الازدواجية وارتفاع التكاليف.
واجه الجنوب العالمي هذه المشكلة من قبل، وخاصة في تشييد البنية التحتية الرقمية الأساسية. وأظهرت تلك التجربة أن التحديث في غياب أسس التشغيل البيني قد يجعلك حبيس أنظمة جامدة يصعب تحديثها، ويصعب تدقيقها، وعرضة للمخاطر السيبرانية.
وعلى هذا فإن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة على النحو المناسب يمثل تحديا تقنيا وحتمية استراتيجية في الوقت ذاته. ويعتمد ما إذا كان تحديث قطاع الطاقة ليخدم مصالح المنتجين المستهلكين في نهاية المطاف على ما إذا كانت الأنظمة قابلة للتشغيل البيني أو مجزأة.
لتضع نفسها على المسار الصحيح، أطلقت الهند مبادرة استراتيجية كبرى لإنشاء “مجموعة الطاقة الهندية” (India Energy Stack)، كجزء من تشييد بنيتها الأساسية العامة الرقمية في عموم الأمر. يجري تصميم مجموعة الطاقة الهندية لتتناسب مع أطر عمل قابلة للتوسع عالميا، مثل شبكة الطاقة الرقمية المقترحة من قِبَل “شبكات من أجل الإنسانية” Network for Humanity، والتي من شأنها ضمان قابلية التشغيل البيني عبر سلسلة قيمة الطاقة. يُرسي هذا العمل الأساس للمستقبل، كما تفعل مبادرة وزارة الطاقة الهندية لتركيب 200 مليون عداد ذكي، بما يتيح القياس لحظيا على المستوى الوطني.
استجابة للنمو الهائل في استخدام الألواح الشمسية على أسطح المنازل، تعتزم مجموعة الطاقة الهندية إنشاء الأسس الرقمية لاستخدامات وأسواق جديدة متعددة، بما في ذلك التداول بين الأقران. وعلى غرار تقنيات الدفع الرقمي، من الممكن أن تعمل منصات الطاقة القابلة للتشغيل البيني على تمكين ملايين من رواد الأعمال ــ من المركّبين، والمجمّعين، ومالكي البطاريات، ووكلاء خدمات الطاقة ــ من توليد مصادر دخل جديدة، لا سيما في المناطق من المستوى 2 والمستوى 3 (الأقل نموا). على ذات القدر من الأهمية، سوف تعمل هذه الأسس الرقمية على تعزيز الشبكة لأن المنصات القابلة للتشغيل البيني وهويات الأصول الموحدة تسمح لمشغلي المرافق والأنظمة بتحسين ملايين الموارد الموزعة لحظيا.
يعكس هذا النهج العام الذي تتبناه الهند في التعامل مع البنية الأساسية العامة الرقمية، التي تهدف إلى إنشاء أنظمة بيئية تنافسية جديدة. وسوف تسمح المنصات العامة في البلاد للشركات الناشئة ومقدمي الخدمات بدفع عجلة الإبداع دون البدء من الصفر، كما ستحصل المرافق على حلول معيارية تساعدها على تجنب الارتباط بمورد واحد. والهدف هو تحسين الأنظمة الحالية بدلا من السعي إلى إجراء إصلاح شامل.
الواقع أن الهند تقدم نموذجا لبقية دول الجنوب العالمي. سوف تحدد طريقة تفكير البلدان النامية بشأن البنية الأساسية للأسواق ما إذا كان بإمكانها الانتقال مباشرة إلى المرحلة التالية من الثورة الرقمية بدلا من البقاء معتمدة رقميا على آخرين. بطبيعة الحال، تواجه أقل البلدان نموا والدول الجزرية الصغيرة النامية كثيرا من العقبات، من الأسواق المجزأة والاقتصادات الهشة إلى الميزانيات المحدودة. لكن التحالف الدولي للطاقة الشمسية من الممكن أن يساعد في التغلب على هذه العقبات. مع التزام 125 دولة بالتعاون في نشر الطاقة الشمسية، يَـعِـد التحالف الدولي للطاقة الشمسية بأن يصبح محركا عالميا للتحولات في شبكات الطاقة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتركز على المواطنين في كل مكان من خلال مهمة عالمية لتوظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الطاقة.
الوصفة الأساسية للنجاح ليست سرا. نحن في احتياج إلى برامج منظمة لتحديث الضوابط التنظيمية، وبناء القدرات، وتجريب أنظمة رقمية قابلة للتشغيل البيني، وتحفيز التمويل الأولي للإبداع، وحشد التمويل المختلط لدعم الحلول القابلة للتطوير. كل هذه الخطوات يجب أن تُـتَّخَذ في آن واحد كجزء من مهمة وطنية أو حتى إقليمية. هكذا يصبح بوسع الجنوب العالمي الانتقال من التجارب المنعزلة إلى بناء الأنظمة على نطاق ضخم.
يدخل التحول إلى الطاقة النظيفة الآن عصر المنصات. ولا يحتاج الجنوب العالمي إلى استنساخ نموذج الشبكة القديم (الذي تعمل الدول الغنية على تحديثه بتكلفة باهظة). بدلا من ذلك، يمكنه القفز إلى المرحلة التالية من خلال الجمع بين الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والبنية الأساسية العامة الرقمية. والهند ترشدنا إلى الطريق بالفعل.
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
![]()






