راديو إكسبرس
البث المباشر
إفري شيشتر : مدير معهد ياناي لأمن الطاقة في جامعة رايشمان في هرتسليا بإسرائيل
جرى تصوير الصفقة الأخيرة التي أبرمتها إسرائيل لتزويد مِصر بالغاز من حقل ليفياتان البحري ــ وهي أكبر اتفاقية من نوعها في تاريخ البلاد ــ محليا على أنها انتصار اقتصادي ودبلوماسي. يشير المسؤولون إلى الإيرادات المالية المتوقعة وإمكانية تعزيز التعاون الإقليمي، مؤكدين على مكانة إسرائيل كمركز طاقة ناشئ في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. ولكن برغم أن هذه الادعاءات لا تخلو من بعض الحقيقة، فإن الاتفاقية تكشف أيضا عن نقاط ضعف بنيوية لم تَـعُـد إسرائيل وغيرها من الاقتصادات المعتمدة على الغاز تملك تَرَف تجاهلها.
إلى جانب العلاقات الثنائية، تعكس الاتفاقية مع مصر إعادة ترتيب تدفقات الغاز في شرق البحر المتوسط على نطاق أعرض بعد عامين من الصراع الإقليمي. من منظور مِصر، لم يكن شراء الغاز الإسرائيلي مجرد اختيار تجاري، بل كان استجابة استراتيجية لانخفاض الإنتاج المحلي، والقيود المالية، والقدرة المحدودة على استيراد الغاز الطبيعي المسال. وفي حين تتصارع الحكومة المصرية مع الإنتاج المحلي المتزايد الانخفاض وارتفاع الطلب، يوفر الغاز الإسرائيلي شريان حياة حَـرِجا.
ومن منظور إسرائيل، يعمل تحولها إلى مُـوَرِّد رئيسي لمصر على تعزيز نفوذها الإقليمي ويقوي مكانتها في بيئة جيوسياسية وسوق طاقة تغلب عليهما المنافسة. ورغم أن الاتكالية المتبادلة في مجال الطاقة من الممكن أن تعمل على تعزيز الاستقرار، فإنها نادرا ما تكون متماثلة. من خلال إلزام مصر بشراء 130 مليار متر مكعب من الغاز على مدار ما يقرب من العشرين عاما، ستزود الصفقة إسرائيل بعائدات تصدير مستقرة. كما أنها تساعد في تعميق علاقات إسرائيل الاستراتيجية مع قوة إقليمية رئيسية في وقت حيث يسعى موردون آخرون، مثل قطر، إلى القيام بالشيء ذاته.
لكن أمن الطاقة لا يقاس فقط بحجم الصادرات أو النتائج الدبلوماسية. فهو يعتمد أيضا على التوازن الطويل الأمد بين العرض المحلي من جانب البلد، ونمو الطلب، والقدرة المؤسسية على إدارة الندرة في المستقبل. وهنا، تبدو الصورة أكثر إثارة للقلق بالنسبة لإسرائيل، لأن نظام الكهرباء في البلاد يعتمد بنيويا على الغاز الطبيعي، الذي يوفر أكثر من 70% من توليد الطاقة. بموجب مسارات الإنتاج والتصدير الحالية، من المتوقع أن تستمر احتياطيات الغاز المحلية لمدة عقدين أو ثلاثة عقود فقط من الزمن. وتُـحَـذِّر عدة تقييمات رسمية بالفعل من أن إسرائيل قد تواجه قيودا على الإمدادات في وقت قد لا يتجاوز منتصف الثلاثينيات، أي على وجه التحديد عندما تبلغ التزاماتها التصديرية ذروتها.
بمجرد إبرام عقود طويلة الأجل مثل الصفقة مع مصر، يضيق حيز المرونة بدرجة كبيرة. فقد تجد الحكومات في المستقبل نفسها مضطرة للاختيار بين الوفاء بالتزامات التصدير والحفاظ على سهولة تَـيَسُّر إتاحة الطاقة المحلية والقدرة على التعويل عليها. في الواقع، من المرجح أن تتفاقم مثل هذه الضغوط.
الواقع أن الطلب على الكهرباء في إسرائيل لا ينمو فحسب، بل إن تكوينه يتغير. فمن المتوقع أن تؤدي كهربة قطاعي النقل والصناعة، مقترنة بالتوسع السريع في تشديد مرافق البنية الأساسية الرقمية الكثيفة الاستهلاك للطاقة، إلى زيادة أحمال الذروة وتقليص قدرة النظام على تحمل انقطاعات الإمدادات. في ظل هذه الظروف، تقلل التزامات التصدير الطويلة الأجل من هامش الخطأ لدى إسرائيل، بما يجعل المرونة تعتمد على نحو متزايد على بدائل غير الغاز التي لم تُـنشَر على نطاق ضخم بعد.
علاوة على ذلك، نجد أن سوق الغاز في مرحلة الإنتاج الأولي شديدة التركز. إذ يسيطر مورد واحد، وهو شركة شيفرون، على قسم كبير من الإنتاج المحلي، في حين يعمل أيضا كَـمُـصَدِّر رئيسي. ويخلق هذا الدور المزدوج توترا متأصلا، لأن الطرف نفسه المسؤول عن ضمان إمدادات يمكن التعويل عليها وبأسعار معقولة للسوق المحلية يحركه أيضا الحافز للالتزام بتوريد إمدادات للبيع في الخارج لآفاق أبعد أمدا.
في ظل مثل هذه البنية السوقية، ينطوي أي توسع في الصادرات على عواقب تتجاوز مسائل الحجم أو الاحتياطيات. عندما يكون المورد المهيمن على السوق المحلية هو أيضا المصدر الرئيسي، يصبح من الممكن أن تؤثر العقود الخارجية على ديناميكيات الأسعار الداخلية. مع ارتفاع أسعار التصدير، يتغير المعيار المرجعي لما يشكل سعرا محليا “معقولا” وفقا لذلك، حتى في غياب مؤشر صريح. والنتيجة ليست بالضرورة صدمة سعرية فورية، بل ضغط تصاعدي تدريجي على أسعار الغاز المحلية نحو التكافؤ مع التصدير، بما يزيد التكاليف عبر نظام الكهرباء ويضيق نطاق المنافسة الفعالة.
يزعم أنصار الاتفاقية إن الآليات التنظيمية ستسمح للدولة بتعديل أحجام الصادرات في حالة حدوث نقص. لكن في الممارسة العملية نجد أن هذه الضمانات محدودة. فبمجرد إبرام عقود طويلة الأجل، تعمل الالتزامات القانونية، والتكاليف الدبلوماسية، والاعتبارات الجيوسياسية، على تقليص حيز المناورة المتاح للجهات التنظيمية. وعقود التصدير الطويلة الأجل لا تكتفي بتوزيع الغاز، بل توزع أيضا المخاطر عبر أجيال من صُـنّاع السياسات.
تؤكد هذه الحقيقة على تحدٍ أوسع نطاقا. ذلك أن احتياطيات إسرائيل من الغاز محدودة، في حين من المتوقع أن ينمو الطلب على الكهرباء بشكل مضطرد، بسبب الكهربة، والنمو السكاني، وتوسع البنية الأساسية الرقمية الكثيفة الاستهلاك للطاقة (خاصة مراكز البيانات لتشغيل الذكاء الاصطناعي). في مثل هذا السياق، من غير الممكن أن يعتمد أمن الطاقة إلى أجل غير مسمى على صادرات الغاز وافتراضات متفائلة بشأن الاحتياطيات.
لا تنفي أي من هذه المشكلات القيمة الاستراتيجية الكامنة في التعاون مع مصر. فمن الممكن أن تعمل الاتكالية الاقتصادية المتبادلة بالفعل كقوة استقرار في منطقة متقلبة. لكن الاستقرار المبني على موارد محدودة هو بطبيعته مؤقت ما لم يقترن باستراتيجية انتقالية طويلة الأجل تتمتع بالمصداقية.
لا ينبغي لنا أن نفهم صفقة الغاز بين إسرائيل ومصر على أنها هدف نهائي، بل كخطوة في رحلة أطول. يجب أن تتحقق الاستفادة من عائدات التصدير لتسريع التنويع من خلال توسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز مخزون الطاقة ومرونة الشبكة، وتنويع مصادر التوليد، وتقليل الاعتماد البنيوي على وقود واحد ومورد واحد. إن تسييل أصول الغاز الحالية دون الاستثمار في نظام المستقبل يعني مقايضة مكاسب قصيرة الأمد مقابل مصدر ضَعف طويل الأمد.
لن يُـقـاس نجاح استراتيجية الغاز الإسرائيلية بعائدات التصدير أو العناوين الرئيسية الدبلوماسية، بل من خلال ما إذا كانت هذه الاستراتيجية لتستغل هذه اللحظة لبناء نظام طاقة يظل مرنا لفترة طويلة بعد نفاد الغاز.
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
![]()




