راديو إكسبرس
البث المباشر
بجاه بني هاشمي : باحثة في القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو ومُـحاضِرة قانون حقوق الإنسان، تُـرَكِّز أعمالها على هياكل السلطة والتغيير السياسي في الشرق الأوسط.
مرت ثلاثة أسابيع منذ اندلعت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في إيران، والآن يقضى البلد أكثر من عشرة أيام معزولا عن العالم الخارجي. لم يُـقطَع الاتصال بالإنترنت على مستوى البلاد فحسب، بل وحتى خطوط الهاتف الثابت والهاتف المحمول الأساسية عُـطِّـلَت. ومع ذلك، فإن الصور القليلة التي ظهرت ــ والتي جرى بثها بشكل متقطع عبر اتصالات Starlink ــ تصف ما يبدو أنه حملة قَمعية واسعة الانتشار على الطريقة العسكرية ضد المدنيين، فضلا عن الجثث المغطاة بالدماء التي تملأ الشوارع والأمهات اللاتي ينتحبن حزنا.
السؤال الجوهري الذي يواجه البلاد هو كيف قد تكون استجابة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ودائرته المقربة، وما إذا كانت حرب أوسع نطاقا أصبحت حتمية. في خطابين ألقاهما منذ بدء الاحتجاجات، بدا خامنئي عاقد العزم على الحفاظ على النظام. واتهم الولايات المتحدة وإسرائيل صراحة بتدبير الاضطرابات وحذرهما من عواقب أفعالهما. في الوقت ذاته، وصف المتظاهرين بأنهم “مثيرو شغب” و”أفراد ساذجون” خدعتهم قوى أجنبية.
من منظور الإيرانيين، كانت هذه الخطابة مألوفة إلى حد مؤلم. كان رد خامنئي مماثلا أثناء كل حركة احتجاجية كبرى، من احتجاجات الطلاب في يوليو/تموز 1999 إلى الحركة الخضراء في 2009 وانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في 2022. وبرغم أن مثل هذه الخطب نادرا ما تردع المتظاهرين، فإن الغرض الأساسي منها هو طمأنة قوات الأمن التابعة للنظام بأن المرشد الأعلى يظل صامدا.
بموجب الدستور الإيراني، يشغل خامنئي منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بما في ذلك الحرس الثوري الإسلامي، والجيش النظامي، والباسيج (ميليشيا شبه عسكرية). لطالما كانت سيطرته المطلقة على أجهزة الأمن ركيزة أساسية لسلطته. وعلى مدار عقود من الزمن، عمل بشكل منهجي على تطهير العناصر غير الجديرة بالثقة وتكوين نخبة عسكرية شديدة الولاء. حتى عائلات أفراد هذه القوات تعيش تحت مراقبة صارمة، وتقيم غالبا في مجمعات سكنية منفصلة مصممة للحماية والمراقبة.
بالتوازي مع كل هذا، يحتفظ خامنئي بالسيطرة الدستورية على الإذاعة والتلفزيون الحكوميين في إيران. ورغم ظهور عدد قليل من القنوات التلفزيونية غير الحكومية اسميا في السنوات الأخيرة، فإنها تعمل تحت رقابة شديدة. صحيح أن وسائط التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية نجحت في تقويض احتكارات وسائل الإعلام التقليدية وجعلت احتواء تدفق المعلومات أشد صعوبة. مع توسع القدرة على الوصول إلى الإنترنت، تغيرت حركات الاحتجاج في مختلف أنحاء العالم. لكن إيران تُـعَد استثناء: فلا تزال معظم منصات التواصل الاجتماعي محجوبة، ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال شبكات VPN (الشبكات الخاصة الافتراضية).
علاوة على ذلك، لجأ النظام مرارا إلى قطع الإنترنت بالكامل أثناء الأزمات، وخاصة خلال احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019. هذه المرة، كان قطع الإنترنت أطول من أي وقت مضى، دون أي يقين بشأن موعد استعادة الاتصال. من خلال قطع الاتصالات في ذروة الاضطرابات، لا يسيطر النظام على الرواية السائدة فحسب، بل يمنع أيضا الاحتجاجات من اكتساب زخم من خلال تنسيق أوثق. لم يتمكن سوى قِـلة من المواطنين القادرين على الوصول إلى الأقمار الصناعية من نقل حجم ووحشية الحملة القمعية إلى العالم الخارجي.
كانت إحدى أولويات خامنئي متمثلة في إضعاف القوى السياسية والمدنية المستقلة بشكل منهجي. فالشخصيات البارزة إما مسجونة أو تعيش تحت مراقبة مستمرة، بما في ذلك وضع أجهزة مراقبة إلكترونية حول كواحلهم. وقد عانى بعضهم، مثل المحامية البارزة في مجال حقوق الإنسان نسرين سوتوده، من عواقب صحية خطيرة بعد سنوات من السجن. بينما أعيد اعتقال آخرين، مثل الحائزة على جائزة نوبل للسلام نرجس محمد، ووضعهم في السجن.
ما تبقى هو أمة حزينة، شهدت مرة أخرى شبابا، انضم إليهم آباؤهم، ينزلون إلى الشوارع، ليُقتلوا، أو يُجرحوا، أو يُسجنوا. ويُمنع المحامون من تمثيل المعتقلين. ويُمنع أطباء السجون، حسبما ورد، من علاج المتظاهرين المصابين، لـيُتركوا للموت متأثرين بجراحهم. وتُجبر الأُسَر التي تسعى لاستعادة جثث أحبائها على دفع ثمن الرصاصات التي قُتلوا بها، ثم إجراء مراسم الدفن تحت مراقبة صارمة.
لكن هذه المرة قد تكون مختلفة. أثناء حرب الاثني عشر يوما مع إسرائيل العام الماضي، انتقد عدد كبير من الإيرانيين ــ على الرغم من معارضتهم للنظام ــ تصرفات إسرائيل ودعوا إلى إنهاء الصراع. واجتاحت موجة قوية من الوطنية البلاد. وبرغم أن إسرائيل أكدت أن ضرباتها استهدفت فقط مواقع عسكرية وشخصيات مرتبطة بالنظام، فلم يتحرك عامة الناس ضد الدولة. لكن هذه المشاعر الهشة تلاشت الآن. فقد أدى القمع غير المسبوق وأعداد القتلى المبلغ عنها التي بلغت نحو 12 ألف شخص إلى تغيير جذري في مواقف جماهير الناس. فقد خلص عدد كبير من الإيرانيين إلى أن المقاومة غير المسلحة وحدها لا يمكنها إنهاء الديكتاتورية، وأن التدخل الخارجي قد يكون الآن السبيل الوحيد للمضي قدما.
من عجيب المفارقات أن حجم القمع هو الذي أوقع خامنئي في الشرك. ففي حالة اندلاع حرب أخرى مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، يبدو أن الإيرانيين داخل البلاد وخارجها أصبحوا الآن أكثر استعدادا لدعمها. ويرى كثيرون أنه إذا كان من الممكن قتل 12 ألف شخص على يد القوات المحلية، فإن تكلفة الضربات العسكرية الموجهة قد لا تكون أعلى من ذلك. الواقع أن وحشية النظام لم تؤد إلى تصلب مواقف الرأي العام الدولي ضده من خلال تسليط الضوء على كارثة حقوق الإنسان في إيران فحسب، بل تسببت أيضا في تحول الرأي العام الإيراني بعيدا عن الوطنية الانعكاسية.
وعلى هذا فقد وقع خامنئي في فخ من صنعه. على المستوى المحلي، أعاد فرض سيطرته من خلال القوة الساحقة، وأبعد النظام عن حافة الانهيار، على الأقل في الوقت الحالي. لكن هذه الاستراتيجية ضيقت خياراته. فإذا اندلعت حرب، سيواجه النظام مجتمعا أقل ميلا إلى دعمه، وأكثر تقبلا لتكاليف المواجهة الخارجية.
لقد بنى خامنئي نظاما لا يمكنه البقاء إلا من خلال القمع، بيد أن حملاته القمعية الدموية جردت النظام من مصدر شرعيته الأخير، أو على وجه التحديد الوطنية الإيرانية. والآن يواجه الزعيم الذي لم يكن على استعداد قَط للتراجع معضلة لا مَـخرَج آمن منها: حرب داخلية متواصلة ضد شعبه، أو حرب خارجية تفضح حالة الفساد والهشاشة الكامنة وراء عقود من السيطرة القسرية.
ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel
![]()




