أوروبا يجب أن تساعد أفريقيا في كسر حلقة الديون

أوروبا يجب أن تساعد أفريقيا في كسر حلقة الديون

- ‎فيمقالات رأي دولية, واجهة
أوروبا افريقيا

راديو إكسبرس

البث المباشر

نانا أكوفو أدو : رئيس غانا سابقا وعضو مبادرة القادة الأفارقة لتخفيف أعباء الديون.

أولريتش فولتز : أستاذ الاقتصاد ومدير مركز التمويل المستدام في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، هو رئيس مشارك لمشروع تخفيف أعباء الديون من أجل التعافي الأخضر الشامل.

في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، يجتمع القادة الأفارقة والأوروبيون في لواندا بأنجولا للمشاركة في قمة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي. بمناسبة مرور 25 عاما على الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، فإن هذا الاجتماع ليس مجرد احتفال بل هو لحظة لتحديد ما سيعنيه ربع القرن القادم للعلاقات بين القارتين.

في أفريقيا بلغت المخاطر أشدها. فقد أصبحت بلدان أفريقية عديدة مُـثقَـلة بمستويات غير مستدامة من الديون السيادية التي تعيق قدرتها على الاستثمار في البنية الأساسية المرنة والتنمية المستدامة. وقد تضاعفت ديونها الخارجية العامة إلى أكثر من ثلاثة أمثالها منذ عام 2008، مع ارتفاع حاد في الالتزامات تجاه حاملي السندات الخاصة.

وتفاقمت أعباء الديون هذه بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض وانخفاض قيمة العملات الأفريقية مقابل الدولار الأميركي. الآن، يواجه المقترضون الأفارقة أسعار فائدة أعلى بمرتين أو ثلاث مرات من تلك التي تدفعها البلدان الأكثر ثراء، الأمر الذي يحول القروض من شريان حياة إلى أغلال.

هذا ليس اقتصادا سليما؛ إنه ظلم بنيوي. في عام 2024 وحده، دفعت البلدان الأفريقية 163 مليار دولار أميركي لخدمة ديون قائمة. وقد استنزفت هذه المدفوعات الساحقة، مقترنة بتكاليف الاقتراض الباهظة، الموارد العامة وأدخلت اقتصادات عديدة في حلقة مفرغة من الديون والضغوط المناخية والتنموية.

من بين 39 دولة أفريقية جرى تقييمها في إطار تحليل القدرة على تحمل الديون الذي أجراه صندوق النقد الدولي للاقتصادات المنخفضة الدخل، يعاني 21 بلدا أفريقيا بالفعل من ضائقة ديون أو أصبح معرضا بدرجة كبيرة لخطر الانزلاق إلى ضائقة الديون. لكن حتى هذه النتيجة القاتمة تقلل من حجم المشكلة الحقيقي، ذلك أن إطار عمل صندوق النقد الدولي يقلل بشكل منهجي من تقدير مدى خطورة نقاط الضعف خاصة في البلدان المعرضة لمخاطر تغير المناخ. وفي كثير من الأحيان، تتخلف التصنيفات الرسمية عن الواقع، ولا تتحول إلى “عالية المخاطر” أو “في ضائقة” إلا بعد اندلاع الأزمات، كما اتضح عندما تخلفت زامبيا وغانا وإثيوبيا عن سداد ديونها.

لقد تسبب تغير المناخ في تحول نظام غير متكافئ بالفعل إلى نظام أكثر إجحافا. فبرغم أن أفريقيا تمثل أقل من 4% من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري على مستوى العالم، فإنها تتحمل نصيبا غير متناسب من العواقب: الجفاف الذي يدمر المحاصيل، والفيضانات التي تشرد ملايين البشر، والعواصف التي تدمر مجتمعات بأكملها.

وعلى الرغم من كونها الأكثر عرضة للصدمات المناخية، فإن الاقتصادات الأفريقية تظل الأقل تجهيزا من الناحية المالية للاستجابة لها. والدليل واضح: كلما كان بلد ما أكثر عرضة للصدمات المناخية، كلما كانت تكاليف الاقتراض التي يتكبدها أعلى. وتتسبب “علاوة المخاطر المناخية” هذه في تضخيم تكلفة رأس المال التي تتحملها الحكومات الأفريقية، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل الحيز المالي المتاح لها، ومزاحمة الاستثمارات الحيوية في الصحة والتعليم والبنية الأساسية. والنتيجة هي نقص الاستثمار المزمن الذي يجعل البلدان أكثر عُرضة للصدمات المناخية.

برغم أن صندوق النقد الدولي أشار إلى أن نسب الديون استقرت عند مستوى متوسط في مختلف أنحاء أفريقيا، فإن هذا الرأي يتجاهل تقارب أعباء الديون المرتفعة، والضعف الحاد في مواجهة المخاطر المناخية، وتعثر التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية. والتعامل مع الديون على أنها “مستقرة” مع تجاهل هذه الأزمات المترابطة ينطوي على خطر خلق نقطة عمياء خطيرة.

لقد تسببت استجابة المجتمع الدولي المنقوصة في زيادة تقوض ثقة البلدان الأفريقية في شركائها الغربيين. كما عانت مصداقية أوروبا، على وجه الخصوص، بسبب فشل الاتحاد الأوروبي في الوفاء بالتزاماته المناخية، وتقلص مساعداته التنموية، ومعاييره المزدوجة البادية في الاستجابة للأزمات. وبينما عملت قوى أخرى ــ بما في ذلك الصين، وروسيا، وتركيا، وعدد كبير من الدول العربية ــ على توسيع تواجدها في القارة على نحو مضطرد، فلا تزال أزمات الديون غير المحلولة تهدد بمحو عشرات السنين من التقدم، وزعزعة استقرار الحكومات، وتغذية الهجرة مع بحث الأفارقة عن فرص في الخارج.

الواقع أن التضاريس الجيوسياسية السريعة التغير اليوم تجعل من الشراكات الاقتصادية والسياسية القوية مع الدول الأفريقية أمرا بالغ الأهمية. ومع ارتباط ازدهار الاتحاد الأوروبي واستقراره بشكل متزايد بازدهار واستقرار أفريقيا، لا يجوز لصناع السياسات أن يقفوا مكتوفي الأيدي بينما تعاني القارة من أزمات متعددة. يتعين على الحكومات الأوروبية أن تستخدم نفوذها الكبير داخل مؤسستي بريتون وودز، ومجموعة العشرين، ومجموعة السبعة لإصلاح النظام المالي الدولي وإعداد استجابة منسقة وشاملة لأزمة الديون المتنامية.

كان الإطار المشترك لمعاملات الديون الذي وضعته مجموعة العشرين، والذي يهدف إلى توفير الإغاثة للبلدان التي تصارع الديون، يُـرَوَّج له على أنه إنجاز كبير. إلا أنه في الواقع، يفتقر إلى قواعد ملزمة لضمان تقاسم الأعباء بشكل عادل بين كل الدائنين ويفشل في معالجة الأسباب البنيوية وراء تراكم الديون. لكن الإعفاء ليس حلا. وكما أوضح إعلان لومي، الذي صدر في مؤتمر الاتحاد الأفريقي للديون في مايو/أيار، يجب أن يكون كل الدائنين ــ من القطاع الخاص، وجهات الإقراض الثنائية، والجهات المتعددة الأطراف ــ ملزمين بالمشاركة بشروط متماثلة.

بالبناء على هذا الزخم، صاغت البلدان الأفريقية الموقف الأفريقي المشترك بشأن الديون، والذي يُـعَـد علامة فارقة في الدبلوماسية الاقتصادية على مستوى القارة. الآن، ينبغي لأوروبا أن تنخرط على هذا الأساس وأن تساعد في ترجمة هذه الرؤية إلى تقدم ملموس. ومع تولي جنوب أفريقيا رئاسة مجموعة العشرين التي تضع القدرة على تحمل الديون في قلب أجندتها، تنفتح نافذة ضيقة للعمل لا يجوز لنا إهدارها. يجب أن تعمل أفريقيا وأوروبا معا لضمان أن يظل إصلاح الديون على رأس أولويات مجموعة العشرين، ومجموعة السبع، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والأمم المتحدة.

بدلا من الإصلاحات القصيرة الأجل، تحتاج أفريقيا إلى مبادرة عالمية جديدة لتخفيف أعباء الديون على أن تكون طموحة، ومنصفة، ومصممة خصيصا لتتناسب مع الواقع الفريد في القارة. والمكاسب المحتملة هائلة: فمن الممكن أن يعيد تخفيف أعباء الديون الاستقرار الاقتصادي، ويحرر الحيز المالي للاستثمار في الخدمات الأساسية، ويفتح آفاقا جديدة للتجارة والنمو.

من المهم هنا أن ندرك أن الأثر سيذهب إلى ما هو أبعد من أفريقيا. ذلك أن تخفيف الديون الحقيقي يساعد على الحد من الفقر، وتوسيع القدرة على الوصول إلى التعليم، وتعزيز النظم الصحية، وبالتالي حماية العالم من الجوائح المرضية والأزمات الإنسانية في المستقبل، والحد من ضغوط الهجرة، وتخفيف التهديدات الأمنية.

من المؤكد أن التوترات المتصاعدة بين القوى الكبرى في العالم تشكل عقبات خطيرة أمام تخفيف أعباء الديون. ولكن إذا ألقت أوروبا بكامل ثقلها وراء هذا الجهد، فإن إحراز تقدم ملموس سيكون في متناول اليد. وسوف تكون التكلفة أقل كثيرا من تكلفة عقد ضائع آخر من التخلف التنموي وانعدام الاستقرار. عندما تتحرر أفريقيا أخيرا من أعباء الديون، ستنهض أوروبا ــ والعالم ــ معها.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *