مجلس المنافسة يكشف اختلالات سوق الدواء بالمغرب ويقترح إصلاحات في التوزيع والتعويض

مجلس المنافسة يكشف اختلالات سوق الدواء بالمغرب ويقترح إصلاحات في التوزيع والتعويض

- ‎فيمجتمع, واجهة
Capture decran 2026 03 16 223313
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

اوسار احمد/

أعاد الرأي الذي أصدره مجلس المنافسة حول وضعية المنافسة في أسواق توزيع الأدوية بالمغرب تسليط الضوء على التوازنات الدقيقة التي تحكم هذا القطاع الحيوي، في سياق التحولات التي يعرفها النظام الصحي الوطني مع تعميم الحماية الاجتماعية.

الوثيقة، التي أثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط المهنية قبل نشرها، تقدم تشخيصاً مفصلاً لسلسلة توزيع الدواء، وتكشف عن مجموعة من التحديات الاقتصادية والتنظيمية التي تواجه الفاعلين في القطاع، من الصناعيين إلى الموزعين ثم الصيادلة.

ويؤكد المجلس أن الصناعة الصيدلية تحتل موقعاً مركزياً داخل الاقتصاد الوطني، كما تمثل إحدى ركائز السيادة الصحية للمملكة. ويعزى النمو الذي يعرفه القطاع إلى توسع السوق الداخلية بفعل تعميم التغطية الصحية وانخفاض أسعار عدد من الأدوية، إلى جانب الآفاق المتنامية للتصدير نحو الأسواق الإفريقية.

غير أن هذا التطور يواكبه تحول تدريجي في التوازنات التقليدية لسلسلة توزيع الدواء، التي تقوم على ثلاث حلقات أساسية تشمل المؤسسات الصناعية الصيدلية، وشركات التوزيع بالجملة، ثم صيدليات القرب التي تتولى صرف الأدوية للمرضى.

ويُعد هذا التنظيم أحد أعمدة الأمن الدوائي في البلاد، إذ يضمن توفير الأدوية في مختلف جهات المملكة ويؤمّن استمرارية التزويد حتى في الظروف الاستثنائية، كما حدث خلال زلزال الحوز حين استمرت عملية إيصال العلاجات رغم صعوبة الوضع.

ضغوط اقتصادية داخل سلسلة التوزيع

ورغم الأداء اللوجستي المقبول لمنظومة توزيع الدواء، يشير مجلس المنافسة إلى مجموعة من الاختلالات الاقتصادية التي تؤثر على توازن القطاع.

فعلى مستوى التوزيع بالجملة، يسجل التقرير درجة تركّز نسبية في السوق، إلى جانب تفاوتات جغرافية في انتشار الموزعين، ما يحد من حدة المنافسة في بعض المناطق.

كما تواجه شركات التوزيع ضغوطاً مالية مرتبطة بالهوامش المحددة تنظيمياً وبالتزامات الخدمة العمومية، خاصة ما يتعلق بالحفاظ على مخزونات استراتيجية من الأدوية لضمان استمرارية الإمدادات.

انتشار واسع للصيدليات مقابل تراجع المردودية

أما على مستوى صيدليات القرب، فيبرز التقرير مفارقة لافتة. فالمغرب يتوفر على شبكة صيدليات كثيفة مقارنة بعدد السكان، وهو ما يساهم في تسهيل الولوج إلى الدواء.

غير أن هذا الانتشار الواسع أدى في المقابل إلى تشتت اقتصادي داخل القطاع، حيث تقلص متوسط رقم المعاملات لكل صيدلية نتيجة ارتفاع عددها.

ويشير التقرير إلى أن النموذج الاقتصادي المعتمد حالياً يقوم أساساً على هامش مرتبط بسعر الدواء، وهو ما يجعل دخل الصيدلي مرتبطاً بقيمة المنتج أكثر من ارتباطه بالخدمة الصيدلية نفسها، الأمر الذي يحد من تطوير دور الصيدلي في مجالات الوقاية والصحة العامة.

التأمين الإجباري عن المرض ودوره في تحريك سوق الدواء

ويبرز مجلس المنافسة أن التعويض عن مصاريف الأدوية في إطار التأمين الإجباري الأساسي عن المرض يشكل أحد المحركات الرئيسية لسوق الدواء بالمغرب.

فهذا النظام يساهم في تقليص العبء المالي على المرضى، ما يعزز الولوج إلى العلاج ويرفع الطلب على الأدوية داخل الصيدليات. ويظل الطلب المدعوم بأنظمة التأمين الصحي محدداً أساسياً لحجم المبيعات في السوق الوطنية.

كما تؤثر سياسة التعويض بشكل مباشر على توجهات الوصفات الطبية، إذ تميل الوصفات إلى إعطاء الأولوية للأدوية المشمولة بالتعويض، وهو ما ينعكس على حجم مبيعاتها ومسالك توزيعها.

وترتكز منظومة التعويض أساساً على نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الذي يديره كل من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالنسبة لأجراء القطاع الخاص، والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي لفائدة موظفي وأعوان القطاع العام.

ويتولى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي أُحدث سنة 1961، تدبير الضمان الاجتماعي لأجراء القطاع الخاص وتحصيل الاشتراكات وتوفير خدمات التغطية الصحية. وقد توسعت مهامه في السنوات الأخيرة مع إدماج فئات جديدة، خاصة العمال غير الأجراء، في إطار ورش إصلاح الحماية الاجتماعية.

أما الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، الذي أُحدث سنة 1950 كاتحاد لجمعيات التعاضد، فقد لعب دوراً أساسياً في تفعيل التأمين الإجباري عن المرض لفائدة موظفي القطاع العام، مستنداً إلى خبرته في تحديد التعريفات وإبرام الاتفاقيات ومراقبة الخدمات الطبية وصرف التعويضات.

وفي إطار إصلاح حكامة أنظمة التأمين الصحي، صادق مجلس الحكومة في نونبر 2024 على مشروع قانون يرمي إلى إسناد تدبير نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالقطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بهدف اعتماد هيئة تدبير موحدة لجميع أنظمة التأمين الإجباري عن المرض.

مسار إدراج الأدوية ضمن نظام التعويض

عملياً، تبدأ مسطرة التعويض عن مصاريف الأدوية بتقديم طلب من طرف المؤسسة الصيدلية الصناعية إلى الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، مرفقاً بالإذن المسبق بتسويق الدواء وبقرار تحديد سعر البيع للعموم أو سعره داخل المؤسسات الاستشفائية.

ويخضع هذا الطلب لتقييم علمي واقتصادي تقوم به لجنتا الشفافية والتقييم الاقتصادي والمالي للمواد الطبية، حيث يتم فحص القيمة العلاجية للدواء ومستوى تحسينه للخدمة الطبية وتكلفة العلاج ومقارنته بالأسعار الدولية.

وبناء على نتائج هذا التقييم، تحسم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في إدراج الدواء ضمن قائمة الأدوية القابلة للتعويض بقرار وزاري.

ويعتمد نظام التعويض على دليل للأدوية المقبول إرجاع مصاريفها، يضم حالياً أكثر من خمسة آلاف دواء، في وقت ارتفع فيه العدد الإجمالي للأدوية الحاصلة على إذن التسويق في المغرب من نحو 5000 دواء سنة 2014 إلى أكثر من 7500 دواء سنة 2024.

نقاش حول صرف الأدوية خارج الصيدليات

ومن بين القضايا التي يثيرها التقرير أيضاً مسألة صرف الأدوية داخل بعض المصحات الخاصة خارج الإطار الاستشفائي. فالتشريع الحالي يمنح صيدليات القرب حصرياً حق بيع الأدوية للعموم، بينما يقتصر استعمال الأدوية داخل المؤسسات الاستشفائية على المرضى المقيمين بها.

ويرى المجلس أن أي توسع في هذه الممارسات قد يثير توتراً بين مختلف الفاعلين في القطاع ويطرح إشكالات مرتبطة بتوازن منظومة توزيع الأدوية.

إصلاحات مقترحة لتحديث القطاع

وفي ضوء هذه المعطيات، يقترح مجلس المنافسة مجموعة من الإجراءات الرامية إلى تحديث تنظيم القطاع، من بينها مراجعة الإطار القانوني المنظم لتوزيع الأدوية، وتعزيز حكامة القطاع، وتسريع رقمنة سلسلة الإمداد الدوائي لتحسين تتبع الأدوية وتعزيز شفافية السوق.

كما يدعو إلى اعتماد نظام تعويض مختلط لفائدة الصيدليات يسمح بتثمين الفعل الصيدلي بشكل مستقل عن سعر الدواء، إضافة إلى توسيع دور الصيادلة في السياسات الصحية والوقائية.

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل المنظومة الدوائية في المغرب يرتبط بقدرتها على تحقيق توازن بين ضمان ولوج المرضى إلى الأدوية، والحفاظ على استقرار الفاعلين الاقتصاديين في القطاع، مع تأمين شبكة صيدليات متوازنة تغطي مختلف مناطق المملكة.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *