العدالة والدولة والزمن في ملف بن الضو مول الفرماج

العدالة والدولة والزمن في ملف بن الضو مول الفرماج

- ‎فيمجتمع, واجهة
Capture decran 2026 02 05 144037 1

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

في أزمنة تحكمها السرعة والمظاهر، يظن البعض أن النفوذ والمال قادران على تجاوز الحقيقة، وأن الملفات الحساسة يمكن أن تختفي تحت ضجيج الإعلام وتقلبات اللحظة. يعتقد هؤلاء أن الزمن الشخصي للأفراد، الذي يقاس بالمصالح والجاه والفلوس، هو نفسه الزمن الذي يعمل فيه القانون والدولة. وهم بعيدون عن الحقيقة: الزمن القضائي والأمني ليس زمن الأفراد، بل زمن الدولة، زمن المؤسسات، زمن لا يرحم المتهاونين ولا ينسى المتورطين.

ملف عبد الرحيم بن الضو، مول الفرماج، وشركة الذهب الأبيض، يوضح هذا الفرق بجلاء. منذ أكثر من ثلاث عشرة سنة، حذرت مؤسسات وطنية وأفراد واعون، وفضحوا الممارسات غير القانونية، التي شملت استيراد مواد غذائية ضارة وغير مرخّص بها، وإطالة مدة صلاحية المنتجات بطرق غير قانونية، وتمويه المستهلكين وتعريض سلامتهم وصحتهم للخطر. رغم ذلك، حاول البعض التقليل من شأن التحذيرات، وسخروا من الذين فضحوا الفساد، بل وواجهت الأصوات الجريئة حملات تشويه واضطهاد، إلا أن الحقيقة بقيت حاضرة في الأرشيف، تنتظر الوقت المناسب لتأخذ مسارها الطبيعي.

اليوم، بعد تراكم الأدلة وتكامل عناصر التحقيق، تتحرك العدالة الفعلية. منع قاضي التحقيق النائب البرلماني عبد الرحيم بن الضو من مغادرة التراب الوطني، وسُحب جواز سفره، لضمان حضوره أمام المحكمة ومتابعة التحقيق التفصيلي، بما يشمل كل الشركاء والمتورطين في الملف. هذه الإجراءات ليست انتقامًا شخصيًا، بل تأكيد على أن الدولة تعمل وفق زمنها، زمن المؤسسات، زمن الحق، وليس وفق ضجيج الأفراد أو مصالحهم الشخصية.

ولا يمكن تجاهل البعد الوطني لهذا الملف. نحن مقبلون على سنة انتخابية، ووفق القوانين المؤطرة للانتخابات، فإن المتابعة القضائية الجارية تجعل من المستحيل على بن الضو الترشح، ما يؤكد أن العدالة تتجاوز الأهواء والفوضى الانتخابية، وأن القانون فوق الجميع، وأن الدولة قادرة على حماية المصلحة العامة وسلامة المواطنين، مهما طال صبرها.

ملف بن الضو ليس مجرد قضية فساد تجاري، إنه درس وطني بامتياز يوضح الفرق بين زمن الأفراد وزمن الدولة، بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة، بين الضجيج الإعلامي والمساءلة الحقيقية. العدالة تظهر قوتها حين يكتمل الملف، حين تتراكم الأدلة، وحين تعمل المؤسسات وفق قواعدها الصارمة، لتؤكد أن الفساد مهما طال عمره لا يفلت من المحاسبة، وأن حماية الوطن ومصالح المواطنين ليست خيارًا، بل واجبًا لا تنازل عنه.

الدرس الكبير واضح: الزمن القضائي والأمني، زمن الدولة والمؤسسات، هو زمن لا يرحم المتهاونين ويضمن أن الحق سيأخذ مجراه، مهما حاول الأفراد والمصالح الشخصية أن تختبئ خلف ضجيج اللحظة أو وراء المال أو النفوذ أو الشهرة الزائفة. في هذا الزمن، العدالة لا تختفي، الدولة لا تنسى، والفساد لا يفلت، لأن الوطن أكبر من كل الأفراد وأهم من كل المصالح الضيقة.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *