راديو إكسبرس
البث المباشر
نجيبة جلال/
عندما تتكرر الوقائع وتتطابق المواقف يصبح من حق التاريخ أن يرفع حاجبه دهشة لا استنكارا. ما جرى في الأيام الأخيرة ليس حدثا معزولا، بل حلقة جديدة في سلسلة قديمة من الاصطفافات التي كلما تغير العالم ظلت هي ثابتة، وكأنها خارج الزمن.
بينما كانت الوثائق تتراكم ولوائح الاتهام تصدر والوقائع القضائية تُبنى صفحة صفحة ضد نظام نيكولاس مادورو، ومعها إعلان توقيفه بأمر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اختارت أطراف مغربية بعينها أن تعيش لحظة أخرى لا علاقة لها بما يجري في العالم ولا بما يحكم العلاقات الدولية اليوم. اختارت أن تصطف مرة أخرى ضد اتجاه التاريخ.

لائحة الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنوبية لولاية نيويورك، بناء على تحقيقات وزارة العدل الأمريكية، لا تتحدث لغة السياسة ولا الشعارات، بل لغة القانون. تتهم مادورو بالتآمر منذ عام 1999 إلى 2025 على الاتجار الدولي بكميات كبيرة من الكوكايين، مع العلم والقصد بتقديم دعم مالي مباشر أو غير مباشر لمنظمات مصنفة إرهابية أجنبية. وتشمل الاتهامات التآمر على استيراد الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وتصنيعه وتوزيعه وحيازته مع العلم بأنه سيُهرّب إلى الأراضي الأمريكية أو مياهها الإقليمية، بل وحتى استعمال طائرات مسجلة في الولايات المتحدة في إطار هذا النشاط الإجرامي.
الأخطر أن الملف لا يقف عند المخدرات. لائحة الاتهام تتحدث صراحة عن حيازة واستخدام أسلحة رشاشة وأجهزة تدميرية أثناء ارتكاب جرائم الاتجار أو دعما لها، إضافة إلى التآمر على حيازة هذه الأسلحة واستعمالها في سياق الجريمة المنظمة العابرة للحدود. نحن أمام شبكة، لا أمام خطاب. أمام مسطرة قضائية، لا أمام اختلاف سياسي.

ومع ذلك، اختارت أحزاب وهيئات مغربية معروفة أن تتجاهل هذه الوقائع. حزب التقدم والاشتراكية، في لقاء سياسي معلن، فتح مقره لنقاش مشروع قانون داخلي، لكنه في خلفيته السياسية ظل وفيا لمنطق قديم يرى في كل ما يصدر عن الولايات المتحدة عدوانا، وفي كل من يعارض واشنطن ضحية، متناسيا أن الملف المعروض اليوم قضائي موثق لا بيان سياسي.

وفيدرالية اليسار الديمقراطي، عبر مكتبها السياسي، أصدرت بلاغا يندد بما سماه العدوان الأمريكي السافر على سيادة فنزويلا، ويتحدث عن اختطاف رئيس شرعي وانتهاك صارخ للقانون الدولي، متجاهلة أن الشخص المعني متابع بتهم الاتجار الدولي بالمخدرات، وتمويل الإرهاب، وحيازة واستعمال أسلحة ثقيلة في إطار الجريمة المنظمة.

أما الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب فقد أعلنت عن وقفة احتجاجية أمام البرلمان، تندد بالإمبريالية الأمريكية والصهيونية، وتستدعي قاموسا يعود إلى زمن الحرب الباردة، وكأن العالم لم يتغير، وكأن القانون الدولي لم يعد يُدار بالوثائق والمحاكم بل بالشعارات والهتافات.
المفارقة ليست في حق هذه الهيئات في التعبير، فهذا مكفول. المفارقة في ثبات الاصطفاف. نفس الجهات بنفس الخطاب ضد كل تحول، ضد كل مسار إصلاحي، وضد كل منطق دولة، سواء تعلق الأمر بالسياسة الخارجية أو بالبناء الداخلي.
هنا لا يعود السؤال من مع من، بل يصبح السؤال الأعمق مع أي زمن يعيش هؤلاء.
الدولة المغربية في خياراتها الكبرى لم تعد تشتغل بمنطق الشعارات، بل بمنطق المصالح والتوازنات والوقائع. والعالم لم يعد يتسامح مع أنظمة تُتهم بتصدير المخدرات وتمويل الإرهاب واستعمال السلاح خارج الشرعية، مهما رفعت من شعارات السيادة والمقاومة.
الدفاع عن الشعوب لا يكون بتبييض الأنظمة، ولا بمخاصمة الحقائق، ولا بالهروب من الوثيقة إلى الهتاف. والنضال الحقيقي لا يكون بالوقوف الدائم في الضفة الخطأ من التاريخ.
ما نشهده اليوم ليس خلافا سياسيا، بل عطبا بنيويا في فهم العالم. عطبا يجعل أصحابه يرون في كل تنظيم فوضى، وفي كل دولة خصما، وفي كل تحول تهديدا.
التاريخ لا يلتفت كثيرا لمن يصرخون خارجه. هو يمضي بهدوء وقسوة، ويترك لمن تأخروا عنه متعة التكرار ومرارة العزلة.
![]()





Ahmed
L’histoire n’est pas morale elle est tragique ! Et Trump comme Napoléon incarne l’âme de l’histoire qui tend vers la liberté.