في سياق مهني يتسم بكثير من التحولات، يأتي تغيير تركيبة المكتب التنفيذي لجمعية الأعمال الاجتماعية لصحافيي الصحافة المكتوبة ليطرح أسئلة تتجاوز حدود الأشخاص إلى طبيعة المؤسسة نفسها، فبحسب المعطيات المتداولة، تم اختيار الزميل مصطفى العباسي رئيسا، مع احتفاظ الزميلة حنان رحاب بموقع أمينة المال.
هذا المعطى، في حد ذاته، لا يختزل النقاش، كما أن ما راكمته الجمعية من خدمات اجتماعية، كما يوثقه التقرير الأدبي للفترة الانتدابية ، يظل رصيدا مهما لا يمكن إنكاره، لكن المعطى الأكثر دلالة، والذي ينبغي التوقف عنده، هو طبيعة تمويل هذه الخدمات.
الجمعية تستفيد من دعم عمومي منتظم، حيث تم رفع قيمة الدعم السنوي المخصص لها تدريجيا:
حوالي 3 ملايين درهم سنة 2022
3.5 ملايين درهم سنة 2023
4 ملايين درهم سنة 2024
وصولا إلى 4.5 ملايين درهم سنة 2025
أي أننا أمام مؤسسة تدبر ملايين الدراهم من المال العام، موجهة أساسا لتحسين الوضع الاجتماعي للصحافيين.
وهنا يكتسب النقاش بعده الحقيقي.
لأن أي مؤسسة تستفيد من المال العام، تصبح بحكم ذلك مؤسسة ذات وظيفة شبه عمومية، خاضعة، ليس فقط لمنطق النجاعة، بل أيضا لمبادئ :
الحياد، الشفافية، وتكافؤ الولوج.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الدور الذي تقوم به الحمعية: هل طبيعة تدبير الجمعية، كما هي اليوم، منسجمة مع هذه المبادئ؟
المعطيات المتداولة داخل الوسط المهني تشير إلى أن تدبير الجمعية يظل مرتبطا بأسماء قيادية داخل النقابة الوطنية، وعلى رأسها عبد الكبير خشيشن ومن معه، بما يجعل الحدود بين العمل الاجتماعي والعمل النقابي غير واضحة بما يكفي.
كما أن تركيبة الجمع العام، التي يفترض أن تعكس أكثر من 4000 صحافي وصحافية، تظل في الواقع محدودة الحضور، لا تتجاوز في كثير من الأحيان بضع عشرات، أغلبهم من نفس الخلفيات التنظيمية والسياسية.
فكيف يمكن لمؤسسة تمول من المال العام، وتوجه لخدمة قطاع واسع، أن تشتغل بتمثيلية محدودة؟وكيف يمكن ضمان أن الاستفادة من خدماتها تتم وفق معايير موضوعية، لا وفق دوائر القرب والانتماء؟
بل إن الأمر يفتح نقاشا أكثر حساسية: هل نحن أمام جمعية اجتماعية مستقلة، أم أمام بنية موازية تعكس، ولو بشكل غير مباشر، توازنات نقابية وسياسية معروفة، خاصة في ظل حضور خلفيات مرتبطة بحزبي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال؟
مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بتقييم الأشخاص أو الطعن في النوايا، بل بطرح سؤال النموذج.
لأن التحدي الحقيقي اليوم ليس في استمرار تقديم الخدمات، بل في تحصينها من أي تأويل.
تحصينها عبر فك الارتباط الواضح بينها وبين أي تنظيم نقابي.
تحصينها عبر توسيع قاعدة المشاركة، بما يعكس فعليا تنوع الجسم الصحافي.
تحصينها عبر إرساء حكامة تجعل من المال العام أداة للإنصاف، لا مجالا للالتباس، خصوصا والقطاع يترقب استحقاقات مرتبطة بتجديد المجلس الوطني للصحافة بعد التصويت على القانون، حيث يصبح ضمان الاستقلالية والحياد ليس فقط خيارا أخلاقيا، بل شرطا من شروط مصداقية العملية برمتها،
لأن المال العام، حين يوجه لخدمة مهنة، يجب أن يخدمها كلها… لا جزءا منها.
