في قراءة هادئة لما يجري، بعيداً عن ضجيج الصواريخ ومناورات بلاغات الانتصار، يتكشف أن المعركة الدائرة ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل اختبار قاسٍ لمعادلة الزمن والكلفة، اختبار لا يُقاس فيه التقدم بعدد الأهداف المصابة، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الاستنزاف.
منذ البداية، بدا أن الرهان كان على الحسم السريع. غير أن الوقائع، كما تتكشف يوماً بعد يوم، تشير إلى مسار مختلف تماماً. فإيران، التي واجهت ضغطاً عسكرياً مكثفاً، لم تتجه نحو كسر المواجهة، بل نحو إطالتها. وهو خيار ليس عفوياً، بل يعكس فهماً دقيقاً لطبيعة الصراع: تحويل الزمن إلى سلاح، والكلفة إلى أداة ضغط.
لكن هذه الاستراتيجية، في جوهرها، تحمل تناقضاً خطيراً.
صحيح أن إطالة أمد الحرب تُربك الخصم، وتُثقل كاهله مالياً وعسكرياً، ولكن توزيع الكلفة لا يتم بشكل متوازن. فالقوى الكبرى، بحكم اتساع اقتصادها وبعدها الجغرافي، تملك قدرة أكبر على امتصاص الصدمات. أما في الخليج، منطقة تتقاطع تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، و ممر شرايين الطاقة العالمية، فإن كل اهتزاز يتحول فوراً إلى ضغط مباشر.
تعطيل تدفقات النفط، التلويح بإغلاق الممرات البحرية، ورفع منسوب المخاطر في منطقة تعتمد على الاستقرار كشرط وجودي، كلها أدوات لا تستهدف خصماً بعينه، بل تضرب في عمق الإقليم. إنها معادلة تجعل من الجوار أول المتضررين، حتى قبل أن تصل آثارها إلى الخصم البعيد.
فما الذي تريده إيران فعلاً من هذه الحرب؟
إذا كان الهدف هو تعديل ميزان القوى، فإن الوسائل المستخدمة توحي بشيء آخر: إدارة صراع مفتوح لا يأخذ في الحسبان كلفة الحلفاء، ولا حتى فكرة الحليف ذاتها. فالدولة التي تدير حرباً بهذا الشكل، وتدفع بها نحو أقصى درجات التصعيد الاقتصادي والأمني، تبدو وكأنها تتحرك بمنطق منفرد، حيث تُختزل الحسابات في معادلة داخلية، دون اعتبار لدوائر التأثير الأوسع. و هذا يعني أنه لا يمكن اعتبار نهج ايران في إدارة الحرب صمودا بل نمط إدارة للأزمة.
فالصمود، في تعريفه السياسي، يفترض توازناً بين تحمل الضغوط والحفاظ على المجال الحيوي. أما تحويل الصراع إلى حالة استنزاف مفتوح، فهو خيار آخر، يحمل في طياته مخاطرة بتوسيع دائرة الخسارة. وفي منطقة مثل الخليج، لا يمكن فصل الجغرافيا عن الاقتصاد، ولا الأمن عن الاستقرار اليومي للدول.
الأرقام التي تتداول حول كلفة العمليات، واستهلاك الموارد، ليست سوى وجه من وجوه الصورة. الوجه الآخر، وربما الأكثر خطورة، هو ذلك التآكل البطيء في بيئة إقليمية تعتمد على الثقة والاستقرار. فكل يوم إضافي من التوتر، وكل إشارة إلى احتمال التصعيد، تُترجم إلى قلق في الأسواق، وإلى ضغط على الدول التي تجد نفسها في قلب المشهد.
لا تبدو ايران و كأنها تدير الحرب ضد خصم محدد، بل كأنها تسعى إلى تدمير شامل داخل الإقليم نفسه.
المفارقة التي بدأت تتضح هي أن الحرب التي يُفترض أن تُنهك الولايات المتحدة، قد لا تكون الأكثر كلفة عليها. بينما تتحمل دول الخليج، بحكم موقعها، العبء الأكبر من تداعياتها، اقتصادياً وأمنياً ونفسياً.
إن تحويل الزمن إلى سلاح ليس خياراً بلا ثمن. وكلما طال أمد الصراع، كلما اتسعت دائرة من يدفع هذا الثمن. وإذا كان الهدف هو إنهاك الخصم، فإن النتيجة التي تلوح في الأفق قد تكون مختلفة: إنهاك بيئة كاملة، وتحويل منطقة حيوية إلى ساحة توتر دائم.
في النهاية، ليست كل الحروب تُخاض بالعقل نفسه. وهناك فارق بين من يسعى إلى تحقيق هدف، ومن يدير صراعاً بلا أفق واضح. وفي الحالة الراهنة، يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية، وهي تدفع بالصراع نحو زمن مفتوح وكلفة متصاعدة، تطرح سؤالاً أكبر من حدود المعركة: هل يمكن لحرب تُدار بهذا المنطق أن تُنتج استقراراً، أم أنها، في جوهرها، تمهيد لاختلال أوسع؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح، قبل أن يصبح الجواب واقعاً.
![]()













