الدفاع عن إيران في المغرب… عرضٌ لخلل أعمق في ترتيب الأولويات

الدفاع عن إيران في المغرب… عرضٌ لخلل أعمق في ترتيب الأولويات

- ‎فيرأي, واجهة
إيران في المغرب
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

بقلم: نجيبة جلال

في السياسة، لا تُطرح الأسئلة الحقيقية حين تهدأ الأمور، بل حين تتسارع إلى حدّ يكشف ما كان مستترا، وما يجري اليوم في الشرق الأوسط، بما يحمله من تصعيد وتداخل مسارات، ليس مجرد لحظة توتر عابرة، بل لحظة كاشفة، كاشفة لطبيعة الصراع، ولأدواته، وللأهم من ذلك كله: لكيفية انتقاله خارج حدوده الجغرافية، إلى مجالات أبعد من الميدان.

في هذا المشهد، تبدو إيران لاعباً مركزياً، لكن ليس بالمعنى التقليدي للدولة التي تدير مصالحها ضمن حدودها، بل كفاعل يتحرك ضمن تصور أوسع، حيث لا تُفهم السياسة بمعزل عن العقيدة، ولا يُختزل النفوذ في الحضور العسكري، بل يُبنى عبر طبقات متداخلة: خطاب، وتنظيم، وشبكات، وامتدادات تعمل حيث لا تصل الجيوش.

غير أن ما يستوقف النظر، ليس فقط ما تفعله إيران في محيطها الإقليمي، بل ما يتردد صداه بعيداً عن هذا المحيط. وهنا، يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: كيف نفسر أن هناك، داخل المغرب، من يتبنى خطاب الدفاع عن هذا الدور، أو يبرره، أو يمنحه مشروعية أخلاقية، في الوقت الذي تتقاطع فيه سياساته، في أكثر من محطة، مع ما يمسّ مباشرة بالمصالح الاستراتيجية للمملكة؟

ليس هذا السؤال من باب الجدل السياسي، ولا من باب الاختلاف الطبيعي في التقدير. لأن الاختلاف، حين يكون قائماً على قراءة للوقائع، يبقى داخل حدود السياسة. أما حين يتحول إلى إعادة صياغة للوقائع نفسها، وإلى تقديم الفاعل الخارجي في صورة لا تعكس تعقيدات أدواره، فإننا نكون أمام ظاهرة تحتاج إلى تفكيك، لا إلى رد فعل.

المدخل إلى هذا التفكيك لا يوجد في متابعة التصريحات، بل في فهم البنية التي تُنتج هذا الخطاب. فالمواقف، في نهاية المطاف، ليست معزولة عن مرجعياتها. وما يبدو، في ظاهره، تعاطفاً مع قضية، قد يكون، في عمقه، تعبيراً عن تصور أوسع للعالم، يعيد ترتيب الأولويات بطريقة مختلفة.

حين تُقدَّم القضايا العابرة للحدود بوصفها معياراً وحيداً للحكم، وحين يُعاد تعريف العدو بحيث لا يكون من يهدد الدولة، بل من يخالف الخطاب، وحين يُختزل النقاش في ثنائيات أخلاقية مبسطة، يصبح من الممكن أن يتقدم الدفاع عن مشروع خارجي على حساب قراءة مصالح داخلية واضحة.

في هذا المستوى، لا تعود المسألة مفارقة. تصبح نتيجة منطقية لمسار فكري يرى أن الدولة الوطنية ليست نهاية الإطار، بل مجرد مرحلة، وأن الولاء يمكن أن يتوزع، أو يُعاد تعريفه، وفق اعتبارات تتجاوز الجغرافيا.

وهنا، تتقاطع مسارات تبدو، في ظاهرها، متباعدة. بين منظومة سياسية تقوم على مرجعية دينية تجعل الشرعية امتداداً لعقيدة، وبعض أدبيات الإسلام السياسي التي تمنح الأولوية لولاء يتجاوز الحدود، تتشكل منطقة التقاء لا تحتاج إلى إعلان، لأنها تشتغل على مستوى أعمق: مستوى المفاهيم.

في هذه المنطقة، لا يكون الخلاف المذهبي حاسماً، لأن ما يجمع يتقدم على ما يفرق. يجمعها تصور يرى أن إعادة تشكيل المجال السياسي يمكن أن تتم من داخل المجتمعات، عبر التأثير في وعيها، لا عبر المواجهة المباشرة. وهنا، يصبح الخطاب هو الأداة الأولى، وربما الأخطر.

من هذا الباب، يكتسب خطاب “الممانعة” مكانته. خطاب يُقدَّم بوصفه موقفاً أخلاقياً في مواجهة الهيمنة، لكنه، في تطبيقاته، قد يتحول إلى إطار يبرر تدخلات، ويُغلف اختراقات، ويمنح شرعية لممارسات لا يمكن فهمها خارج سياق إعادة توزيع النفوذ.

ولأن المعركة لم تعد تُخاض فقط على الأرض، بل في العقول، انتقلت هذه السرديات إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تُعاد صياغة الواقع، وتُبنى القناعات، وتُرسم صورة الفاعلين. هناك، لا تُفرض الأفكار بقوة الحجة وحدها، بل بقدرتها على الانتشار، وعلى التكرار، وعلى التحول إلى ما يشبه البديهيات.

في هذه البيئة، يصبح من السهل أن يُعاد تقديم الأدوار، وأن تُختزل التعقيدات، وأن يتحول الدفاع عن مشروع خارجي إلى موقف يبدو، في ظاهره، منسجماً مع قضايا عادلة، بينما هو، في عمقه، يعكس خللاً في ترتيب الأولويات.

وهذا هو جوهر المسألة.

لسنا أمام نقاش حول إيران، بقدر ما نحن أمام سؤال حول أنفسنا: كيف نحدد أولوياتنا؟ وعلى أي أساس نبني مواقفنا؟ وأين نضع الخط الفاصل بين الدفاع عن القضايا، والدفاع عن مشاريع تتقاطع، في لحظات حاسمة، مع ما يضر بمصالحنا؟

في لحظات التحول، لا تكون الأخطار دائماً في ما هو ظاهر. أحياناً، تبدأ من إعادة تعريف ما هو بديهي. من تحويل ما يجب أن يكون محل اتفاق إلى موضوع نقاش. ومن تقديم ما يمسّ بالثوابت في صورة رأي قابل للاختلاف.

الدول، في تجاربها الكبرى، لا تُختبر فقط بما تواجهه من الخارج، بل بما تسمح به في الداخل من التباس. وحين يختلط معيار الحكم، وتضيع الأولويات، يصبح الطريق ممهداً، ليس لاختراق مباشر، بل لشيء أكثر عمقاً: إعادة تشكيل الوعي.

وفي عالم كهذا، لا يكفي أن نتابع ما يجري حولنا… بل أن نُحسن قراءة ما يحدث في داخلنا.

لأن المسألة، في جوهرها، ليست من مع إيران… أو ضدها.
بل: مع أي تصور للدولة نقف… وأي ترتيب للأولويات نختار.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *