علاش ولدتونا كاع ؟

علاش ولدتونا كاع ؟

- ‎فيرأي, شن طن, واجهة
نجيبة جلال

راديو إكسبرس

البث المباشر

بقلم نجيبة جلال

كل أم وكل أب في هذا الوطن يعرفان المشهد جيدا: ابن أو ابنة مراهقة يدخلان البيت غاضبين، مطالبين بزيادة المصروف أو بشراء حذاء جديد، وحين تشرح لهما أن الجيب فارغ والظروف قاسية، يتفهمان مرة واثنتين، لكن الثالثة تكون الانفجار: “علاش ولدتوني كاع؟”

تلك الجملة العابرة التي يظنها البعض انفعالا مراهقا، هي في الحقيقة مرآة لجيلٍ تربى على السرعة، يريد كل شيء الآن، ويعتبر الصبر ضعفًا، والمسؤولية قيدًا، والعمل عبئًا.

ما نعيشه اليوم من احتجاجات تحت شعار GenZ212 ليس سوى نسخة رقمية من تلك النوبات العائلية الصغيرة. الغضب نفسه، لكنه خرج من غرف النوم إلى الشارع، ومن الخلافات العائلية إلى الفضاء الافتراضي. إنه تمرد بلا بوصلة، غضب يبحث عن معنى، وصوت يصرخ دون أن يعرف ماذا يريد بالضبط.

ومع ذلك، يجب أن نكون منصفين. جيل السبعينات والثمانينات الذي ننتمي إليه لم يكن ملائكيًا، فقد عرف هو الآخر لحظاته من التمرد والغضب والرفض، لكنه كان يُترجم ذلك بالقراءة والنقاش والعمل والانخراط في الأحزاب والنقابات. كان يؤمن أن التغيير يحتاج وقتًا وصبرًا، لا تغريدة ولا بثًا مباشرًا.

جيل اليوم لا يحتاج إلى التوبيخ بقدر ما يحتاج إلى التوجيه. إلى من يذكّره أن الغضب طاقة يمكن تحويلها إلى بناء، وأن الوطن لا يُصنع بالضجيج بل بالاجتهاد والتكوين والوعي.
هذه الاحتجاجات ليست خطرًا في حد ذاتها، بل إنذار صادق بأن هناك فراغًا فكريًا وقيميًا يجب ملؤه، وأن مسؤولية الأجيال السابقة لا تقل عن مسؤولية الجيل المحتج اليوم.

علينا أن نعلّم أبناءنا أن التغيير لا يأتي من الشارع فقط، بل من الفكرة، من القلم، من الفعل.

فالوطن الذي نريد أن نراه مختلفا غدا، يبدأ من وعينا اليوم.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *