راديو إكسبرس
البث المباشر
بقلم نجيبة جلال
يشهد المغرب اليوم ولادة حركة احتجاجية شبابية جديدة تحت اسم Gen Z212. الحركة انطلقت على خلفية مأساوية: وفاة نساء في مستشفيات عمومية، ما أثار غضبًا شعبيًا مشروعًا لدى المواطنين، لا سيما الشباب. الغضب مفهوم، والاحتجاج على الإهمال الصحي حق طبيعي، لكن ما يثير الانتباه ليس المطالب وحدها، بل طريقة تنظيم الحركة وانتشارها الهائل عبر المنصات الرقمية في أيام قليلة.
أُنشئ أول خادم Discord من طرف حسابات مجهولة، وتمكن خلال عشرة أيام فقط من جمع أكثر من 40–45 ألف حساب نشط. على TikTok، تجاوزت مقاطع الفيديو التي تحمل شعار الحركة 5 ملايين مشاهدة خلال أقل من أسبوعين. المدن الأكثر نشاطًا هي الدار البيضاء، الرباط، طنجة، فاس، ومراكش، مع وجود مجموعات أصغر في أكادير والعيون. هذه السرعة في الانتشار تثير تساؤلات حول طبيعة هذا التنظيم، خصوصًا أن جزءًا من المحتوى الرقمي يظهر شعارات باللغة الإنجليزية ودعوات غير مباشرة للتظاهر والعصيان المدني، وهو ما لا يقتصر على التعبير عن المطالب المحلية فقط، بل يحمل سمات ما يُعرف عالميًا بـ Astroturfing، أي محاولة خلق حركة شعبية مزيفة أو توجيه حركة حقيقية.
التغطية الإعلامية الدولية جاءت متسارعة ومتفهمة، من CNN وBBC إلى The Guardian وWashington Post، في وقت لم تحظ فيه حركات أكبر حجمًا وأكثر عنفًا، مثل السترات الصفراء في فرنسا، بنفس الاهتمام. هذه الظاهرة لا يمكن تجاهلها، إذ تُظهر أن الحركة ليست فقط احتجاجًا محليًا، بل أصبحت مادة إعلامية قابلة للتوظيف الخارجي.
المقارنة مع التاريخ القريب للمغرب تجعل الصورة أكثر وضوحًا. حراك الريف (2016–2019)، الذي اندلع بعد وفاة محسن فكري، وأحداث أكَديم إيزيك (2010)، التي بدأت باعتصام سلمي للمطالبة بالإسكان اللائق، أظهرت كيف يمكن للغضب الشعبي المشروع أن يتحول إلى أداة تُستغل إعلاميًا وسياسيًا. Gen Z212 تحمل سمات مشابهة: مطالب محلية مشروعة وغضب شعبي صادق، لكنه منظم بسرعة فائقة على المنصات الرقمية، مع محتوى أحيانًا تحريضي أو مضلل، وأدوات رقمية متطورة.
من الأمثلة الواضحة على ذلك، الفيديوهات التي قُدمت على أنها احتجاجات في المغرب، لكنها في الواقع صور مأخوذة من احتجاجات في الخارج، أو شعارات مصممة رقمياً تحمل رسائل عامة عن الفساد أو سوء الخدمات، بصياغة إنجليزية واضحة، ما يطرح سؤالًا حول المصادر والدعم المالي أو الرقمي للحركة، خاصة أن بعض الحسابات تلقت تبرعات مجهولة بالعملات الرقمية.
لا يمكن النظر إلى هذه الأحداث بمعزل عن البعد الجيوسياسي. المغرب يحتل موقعًا استراتيجيًا بين الغرب وبلوك BRICS، ويحافظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، الصين، وروسيا. أي حركة شعبية قد تُستغل يمكن أن تكون أداة لزعزعة الاستقرار الداخلي، التأثير على السياسات الإقليمية، أو التأثير على مصالح المغرب في القارة الأفريقية والمحيط الأطلسي. بالموازاة، هناك حساسيات مستمرة مع الجزائر، حيث يمكن لمحاولات استغلال الغضب الشعبي المغربي أن تؤثر على التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل المشاريع الاقتصادية الكبرى مثل تطوير الموانئ والطرق العابرة للقارات.
على المستوى الداخلي، المطالب الشعبية واضحة وشرعية: تحسين خدمات الصحة العامة، تطوير البنية التحتية، معالجة البطالة، والحد من التفاوتات الإقليمية. لكن الطريق الرقمي الذي سلكته Gen Z212 يطرح سؤالًا هامًا: هل يمكن أن يتحول غضب مشروع إلى أداة استغلال رقمي وجيوسياسي؟ التجارب السابقة تعلمنا أن التنظيم الرقمي السريع، الانتشار الهائل، والغطاء الإعلامي الدولي المتعاطف قد يكون جزءًا من محاولة لتوجيه الحركة بعيدًا عن مطالبها الأصلية.
هناك عناصر إضافية تستدعي اليقظة: دعوات للعنف ضمن بعض الفيديوهات، استخدام محتوى مفبرك من الخارج، شعارات رقمية دقيقة تحمل رسائل عن الفساد والمطالب الاجتماعية، وأحيانًا استغلال غريزة الشباب في الثورة الرقمية. هذه كلها مؤشرات على احتمالية تحويل الغضب الشعبي إلى أداة خارجية للتأثير السياسي، كما شاهدنا في حركات مشابهة حول العالم.
المغاربة اليوم بحاجة إلى وعي مزدوج: الحفاظ على حقهم في الاحتجاج والمطالبة بالإصلاح، واليقظة تجاه أي محاولات لاستغلال هذا الغضب. كما يحتاج المسؤولون إلى تواصل مباشر وشفاف مع المواطنين لضمان أن يبقى الغضب أداة ضغط للإصلاح وليس أداة في صراعات دولية أو إعلامية.
Gen Z212 ليست مجرد حركة شبابية عفوية، بل مزيج معقد من المطالب المحلية والغضب الرقمي السريع، قد يتحول بسهولة إلى أداة للتوجيه أو التضليل. التاريخ، من الريف إلى أكديم إيزيك، يعلمنا أن الغضب الشعبي مشروع، لكنه هش وسهل الاستغلال إذا غاب التواصل، اليقظة، والرؤية الاستراتيجية.
اليقظة واجبة، والمتابعة الدقيقة ضرورية، فاستقرار المغرب، علاقاته الإقليمية، وأمنه الاجتماعي، لا يمكن أن يُترك لمصادفة رقمية أو لتلاعب خارجي محتمل. على المغاربة جميعًا، مواطنين ومسؤولين، أن يكونوا على قدر المسؤولية، لضمان أن يبقى الغضب الشعبي أداة إصلاح حقيقية، لا أداة استغلال جيوسياسي.
![]()







