تتسارع وتيرة التحول العمراني في عدد من المدن المغربية، حيث تتكاثر الأوراش وتتوسع المشاريع السكنية والبنيات التحتية بشكل لافت. مشهد يعكس دينامية اقتصادية واضحة، ويؤكد المكانة التي بات يحتلها قطاع البناء ضمن محركات النمو. غير أن هذه الصورة لا تعكس بالكامل واقع العاملين داخل هذه الأوراش.
وراء الواجهات الحديثة، يبرز جانب أقل وضوحاً يتعلق بظروف العمل. تقارير رسمية ونتائج عمليات تفتيش ميدانية سجلت اختلالات متكررة داخل عدد من مواقع البناء، تتعلق أساساً بضعف شروط السلامة المهنية، وعدم انتظام التصريح بالعمال، إلى جانب إشكالات مرتبطة بالأجور والعقود.
في الميدان، يشتغل عدد من العمال في بيئة توصف بالصعبة، سواء بسبب طبيعة العمل البدني أو الظروف المناخية، وغالباً في غياب تجهيزات الوقاية الكافية. كما يظل الاستقرار المهني محدوداً لدى فئات واسعة، في ظل انتشار العمل غير المهيكل داخل القطاع.
في المقابل، يواصل الاستثمار العقاري تحقيق عوائد مهمة، خاصة في المدن الكبرى التي تعرف طلباً متزايداً على السكن والمشاريع الحضرية الجديدة. هذا التباين يطرح تساؤلات حول مدى استفادة اليد العاملة من القيمة التي يخلقها القطاع، وحول قدرة النمو الحالي على تحقيق توازن اجتماعي داخل منظومة الإنتاج.
كما يواجه القطاع تحدياً آخر يتمثل في صعوبة استقطاب اليد العاملة المؤهلة، وهو ما يعزوه مهنيون إلى ضعف جاذبية المهنة مقارنة بمتطلبات العمل وظروفه. هذا الوضع يكشف الحاجة إلى مراجعة آليات التكوين وتحسين بيئة العمل، بما يضمن استدامة النشاط ورفع كفاءته.
ويشير متتبعون إلى أن بنية القطاع، التي تعتمد بشكل كبير على نظام المناولة، تساهم في تعقيد مراقبة احترام القوانين، إذ تتداخل المسؤوليات بين مختلف المتدخلين، ما يفتح المجال أمام تجاوزات يصعب ضبطها بشكل كامل.
في مدن مثل طنجة والدار البيضاء، يتجسد هذا الواقع بشكل يومي: مشاريع كبرى تعيد تشكيل الفضاء الحضري، يقابلها وضع مهني هش داخل الأوراش. وبين توسع المدن وتنامي الاستثمارات، يظل تحسين شروط العمل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام هذا القطاع الحيوي.
