إن ما خطّه الملقب بحسن الجفات، والذي لا تزال تلاحقه ظلال فضيحته الأخلاقية المشينة وهو يمارس العادة السرية في شريط فيديو شاهده العالم بأسره، لا يمكن إدراجه بأي حال من الأحوال في خانة “المقال الصحفي”، بل هو في حقيقته محاولة فجة لارتداء عباءة القضاء، والتطاول على مؤسسات سيادية لم تفوضه يوماً للنيابة عنها أو النطق باسمها. منذ السطور الأولى لمقاله، يتضح جلياً أن الكاتب لا يهدف إلى تحليل واقعة مجردة، بل يسعى لتوجيه حكم مسبق وتثبيته في ذهن القارئ. فهو يتحدث عن “صمت النيابة العامة” وكأنه فراغ قانوني يجب ملؤه بتخميناته وأهوائه، بينما الحقيقة القانونية أبسط وأكثر رزانة من كل هذا التهويل: لا يوجد بلاغ رسمي، ولا متابعة معلنة، بل مجرد استماع روتيني في إطار شكايات لم يُحسم فيها بعد. هذا هو الواقع المؤسساتي، وما عداه ليس سوى سرد إنشائي يهدف إلى صناعة الإدانة قبل أن تنطق بها العدالة.
المفارقة الصارخة في خطاب الجفات هي رفعه لشعار “قرينة البراءة” بيمينه، بينما يغتالها بيساره. فهو يطرح أسئلته بصيغة اتهامية صريحة، ويصوغ الشكوك العابرة وكأنها حقائق دامغة، ثم يلمّح بخبث إلى قرب تدخل “الصرامة”، وكأنه يحتكر مفاتيح القرار داخل دهاليز النيابة العامة. نحن هنا لسنا أمام حرية رأي وتعبير، بل أمام ادعاء خطير وتقمص لدور ومكانة لا يملكهما.
ولعل الأخطر في هذا الطرح هو الانزلاق نحو تحويل “حق الدفاع” إلى تهمة قائمة بذاتها. فعندما يعتبر المعني بالأمر أن الشكايات الموجهة ضده “كيدية”، يقفز الكاتب منفعلاً ليعتبر ذلك “إهانة للنيابة العامة والفرقة الوطنية”. وهنا يُطرح سؤال المنطق: منذ متى أصبح الطعن في الشكايات أو التشكيك في خلفياتها جريمة يعاقب عليها القانون؟ أليس هذا هو الجوهر الأصيل لحق الدفاع الذي تكفله المواثيق والدساتير؟ أم أن المطلوب اليوم هو الصمت والخضوع التام حتى يصدر الحكم وفقاً لمزاجية بعض الكتّاب وحساباتهم؟
وفي محاولة يائسة لتعزيز روايته، يجرّنا الكاتب إلى تفاصيل جانبية لا علاقة لها بجوهر القانون، من قبيل التمحيص في “العريضة التضامنية”، ليبني عليها استنتاجات تفوق حجمها الطبيعي. فحتى بفرض وجود اختلالات شكلية فيها، هل تحولت التوقيعات فجأة إلى أدلة جنائية؟ أم أنها مجرد مادة خصبة لتضخيم صورة “الضعف” وتهيئة الرأي العام لتقبل سردية الإدانة المسبقة؟
الحقيقة الساطعة التي يحاول الجفات القفز عليها هي أن لا أحد يملك حق تكييف الأفعال جنائياً خارج أسوار المؤسسات المختصة، ولا يحق لأي كان إصدار الأحكام أو التلميح بها عبر صفحات الجرائد. إن ما يقوم به هذا القلم ليس دفاعاً عن هيبة القانون، بل هو تشويش متعمد عليه، وخلط خطير بين وظيفة الإعلامي ودور القاضي. فالنيابة العامة مؤسسة رصينة لا تشتغل بمنطق “الرد لإرضاء الرأي العام” أو تلبية نزوات الكتّاب، بل تعمل وفق مساطر دقيقة تحفظ سرية البحث وتوازن بين حقوق جميع الأطراف. أما محاولة تحويل صمتها الحكيم إلى “تمهيد للصرامة”، فليست سوى قراءة انتقائية تفتقد لأي سند قانوني أو منطقي.
ما دونه الجفات يكشف عن أزمة أعمق: أزمة صحافة تتخلى طواعية عن دورها الرقابي التنويري، لتتحول إلى منصة رخيصة لإصدار الأحكام. اليوم، يُستهدف شخص بعينه، وغداً قد يمتد هذا المنطق المعوج ليطال أي مواطن، فقط لأن أحدهم قرر أن يمارس ساديته ويلعب دور القاضي من وراء شاشة حاسوبه.
![]()














