في زمن اختلطت فيه أوراق النضال ببهلوانيات السيرك الرقمي، لم يعد مستغرباً أن يخرج علينا تجار الوهم لبيع البطولات الزائفة في أسواق “الخردة” الافتراضية. ولعل حالة المدعو “جيراندو” تقدم النموذج الأبرز لهذا الانحدار، حيث تحول بقدرة قادر من بائع ملابس يتحسس خطاه في دروب كندا، إلى “مناضل” من ورق يوزع صكوك الوطنية والنزاهة على مقاس أسياده. غير أن التدقيق في تفاصيل هذه المسرحية الرديئة يكشف أننا لسنا أمام معارض سياسي يحمل مشروعاً، بل أمام محترف ابتزاز ونصب، وجد في منصات التواصل الاجتماعي ضالته لممارسة هوايته القديمة في اصطياد المغفلين، ولكن هذه المرة تحت غطاء متهالك من “الغيرة المزعومة على الوطن”.
إن الخيانة، حين تلبس لبوس النضال، تصبح أشد قبحاً، خاصة عندما تظهر الخيوط التي تحرك هذه الدمية من وراء الستار. فلم يعد سراً أن هذا الخائن، الذي يتبجح بالطهرانية، قد رهن ذمته ولسانه لمن يدفع أكثر، فاتحاً حساباته البنكية لتلقي أموال قذرة من جهات مفضوحة مقربة من المخابرات العسكرية الجزائرية. إنها صفقة ارتزاق مكتملة الأركان؛ جنرالات مهزومون يبحثون عن أي صوت نشاز لضرب استقرار المغرب، وسمسار رخيص مستعد لبيع وطنه وتلفيق التهم وتشويه المؤسسات مقابل تحويلات مالية. هكذا تحول جيراندو إلى مجرد أداة رخيصة في حرب بالوكالة، وبوق مأجور يردد صدى أسطوانة مشروخة، معتقداً أن صراخه المفتعل سيغطي على رائحة العمالة التي تزكم الأنوف.
لكن الجريمة الأكبر التي يرتكبها هذا النصاب لا تقتصر على خيانة الوطن والارتماء في أحضان أعدائه، بل تتعداها إلى استغلال واستحمار المتابعين الذين ينخدعون بضجيجه.
فهو يتقن العزف على وتر العاطفة، ويستثمر في المآسي الاجتماعية لتهييج المشاعر، لا حباً في سواد عيون المغاربة، بل لأن كل غضبة يفتعلها، وكل “فيديو” يطلقه، يُترجم فوراً إلى أرقام في حسابه البنكي. المتابعون بالنسبة لجيراندو ليسوا مواطنين يتقاسم معهم همومهم، بل هم مجرد “زبائن” و”أرقام مشاهدة” يرفع بها تسعيرته لدى مموليه، ويجني من ورائهم أرباحاً طائلة عبر منصات الإنترنت.
إنه يبيعهم الوهم والعدمية، ويقبض الثمن نقداً. يبني ثروته الشخصية من معاناة البسطاء واختلاق الفضائح، بينما يطالبهم هم بالدخول في متاهات الفوضى والعدمية.
يوما ينجلي غبار هذه الزوبعة المفتعلة، سيكتشف المخدوعون بخطابه أنهم لم يكونوا سوى حطب في مدفأة هذا المرتزق، الذي استغل حماسهم ليضمن لنفسه حياة رغيدة، محولاً غضبهم الافتراضي إلى رصيد مادي حقيقي في جيوبه، وتاركاً إياهم يواجهون سراباً باعه لهم أبشع محترفي الابتزاز في زماننا.
![]()





















