كشف تقريران حديثان صادران عن World Bank أن المغرب يمتلك إمكانات اقتصادية واعدة تخوّله تحقيق قفزة نوعية في النمو والتشغيل خلال السنوات المقبلة، غير أن تفعيل هذا الطموح يظل رهيناً بتنزيل إصلاحات هيكلية عميقة. وأكدت المؤسسة الدولية أن المملكة قادرة على خلق ما يصل إلى 1,7 مليون فرصة شغل إضافية في أفق 2035، مع رفع الناتج الداخلي الخام الحقيقي بحوالي 20% مقارنة مع السيناريو المرجعي.
التقريران، اللذان أُنجزا بتعاون وثيق مع الحكومة المغربية، يقدمان تشخيصاً دقيقاً للاختلالات البنيوية التي تعيق الاقتصاد الوطني، إلى جانب خارطة طريق واضحة للانتقال نحو نموذج نمو أكثر شمولاً وفعالية. ويجمع التحليل بين الإصلاحات الماكرو-اقتصادية وضرورة تحفيز الاستثمار الخاص، خاصة في القطاعات الحيوية القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص شغل.
ورغم التقدم الذي أحرزه المغرب خلال العقود الماضية، يشير التقرير إلى أن النمو الاقتصادي لم ينعكس بالشكل الكافي على سوق الشغل، خصوصاً بالنسبة للشباب والنساء. فقد ارتفع عدد السكان في سن العمل بوتيرة تفوق بكثير نمو فرص التشغيل، في وقت لا يزال فيه معدل نشاط النساء من بين الأضعف عالمياً، رغم تحسن مستويات التعليم.
كما يسجل التقرير أن عدداً مهماً من القطاعات الاقتصادية يشتغل في بيئة تفتقر للمنافسة، ما يحد من تطور المقاولات وقدرتها على رفع الإنتاجية. هذا الواقع يفرض، حسب البنك الدولي، تسريع إصلاحات تروم تعزيز تنافسية الأسواق، وتحفيز دينامية المقاولات، وتحسين مردودية الاستثمار العمومي، إلى جانب بناء سوق شغل أكثر إدماجاً.
وفي هذا السياق، حددت المؤسسة الدولية أربعة محاور رئيسية للإصلاح، تشمل تطوير أسواق أكثر نجاعة، دعم المقاولات لتصبح أكثر دينامية، توجيه الاستثمار العمومي نحو مشاريع ذات أثر أكبر، وتعزيز إدماج الفئات الأقل مشاركة في النشاط الاقتصادي، خاصة النساء والشباب. وتؤكد التوقعات أن تنزيل هذه الإصلاحات يمكن أن يرفع عدد مناصب الشغل إلى 2,5 مليون في أفق 2050، ما يعزز تحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد.
من جهة أخرى، سلط تقرير تشخيص القطاع الخاص الضوء على قطاعات واعدة يمكن أن تشكل رافعة قوية للاستثمار، من بينها الطاقة الشمسية اللامركزية، النسيج منخفض الكربون، مستحضرات التجميل القائمة على الأركان، وتربية الأحياء البحرية. ورغم انسجام هذه المجالات مع توجهات المغرب في الاقتصاد الأخضر والتصنيع، فإنها لا تزال تستقطب استثمارات محدودة مقارنة بدول مماثلة.
ويرجع التقرير هذا الضعف إلى مجموعة من العراقيل، أبرزها تعقيد المساطر الإدارية، وغموض بعض الأطر التنظيمية، إلى جانب نقص الكفاءات، وهي عوامل تثني المستثمرين عن استغلال الفرص المتاحة. في المقابل، يقترح البنك الدولي جملة من الإجراءات العملية، مثل تبسيط ورقمنة التراخيص، وتحسين الولوج إلى العقار والطاقة النظيفة، وتعزيز معايير الجودة والتتبع.
وفي حال تنفيذ هذه التوصيات، يتوقع أن يتم تعبئة ما يقارب 7,4 مليارات دولار من الاستثمارات الخاصة، مع إمكانية خلق أكثر من 166 ألف منصب شغل خلال السنوات العشر المقبلة في القطاعات الأربعة المحددة.
ويؤكد مسؤولو البنك الدولي أن المغرب يتوفر على المؤهلات اللازمة للانتقال إلى مرحلة اقتصادية أكثر تقدماً، مدفوعة بالاستثمار الخاص والإصلاحات المؤسسية. فبعد أكثر من ستة عقود من الشراكة، تواصل المؤسسة الدولية مواكبة المملكة في مسارها التنموي، من خلال ربط الإصلاحات الكبرى بفرص الاستثمار، بهدف تحقيق نمو اقتصادي شامل ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.




















