في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الاقتصاد الرقمي عالمياً، يواصل مشهد الشركات الناشئة في المغرب شق طريقه بثبات، لكن بخطوات لا تزال محسوبة داخل سباق دولي لا يرحم. معطيات StartupBlink تضع المملكة في المرتبة 88 عالمياً، متقدمة بأربع درجات في ظرف سنة واحدة، في إشارة واضحة إلى دينامية إيجابية، لكنها في الآن ذاته تكشف حجم المسافة التي لا تزال تفصل المغرب عن المنظومات الأكثر نضجاً.
هذا التقدم يعكس تحولاً تدريجياً في بنية الاقتصاد المغربي، حيث لم تعد الشركات الناشئة مجرد تجارب معزولة، بل أصبحت جزءاً من نسيج اقتصادي يبحث عن إعادة تعريف نفسه في عصر الرقمنة. غير أن قراءة الأرقام بعمق تكشف مفارقة لافتة: نمو سريع في عدد المشاريع، يقابله بطء في حجم التمويلات. فبرغم تسجيل حوالي 184 شركة ناشئة ونمو سنوي يفوق 23%، يظل إجمالي التمويل في حدود 44 مليون دولار فقط، وهو رقم متواضع مقارنة بطموحات سوق يسعى إلى التموقع إقليمياً ودولياً.
في قلب هذه المعادلة، تبرز الدار البيضاء كقلب نابض للمنظومة، حيث تتركز الاستثمارات والطاقات والفرص، بفارق شاسع عن باقي المدن، إلى درجة أن مستوى تطورها يفوق الرباط بأكثر من خمسة أضعاف. هذا التمركز، وإن كان مفهوماً من زاوية الجاذبية الاقتصادية، يطرح سؤال العدالة المجالية، ويكشف عن تحدٍ حقيقي يتعلق بقدرة المغرب على خلق أقطاب تكنولوجية متعددة بدل الاعتماد على محور واحد. دخول طنجة إلى التصنيف الدولي يبقى مؤشراً إيجابياً، لكنه لا يزال في طور التشكل، ولم يصل بعد إلى مستوى التأثير الفعلي.
من جهة أخرى، يعكس التوجه القوي نحو الأنشطة الرقمية طبيعة الأسواق الناشئة، حيث تظل كلفة الولوج منخفضة نسبياً، وحيث يمكن للأفكار أن تتحول بسرعة إلى منتجات. غير أن هذا التركيز القطاعي، رغم أهميته، يطرح إشكالية التنوع، إذ يظل المشهد محدوداً في مجالات بعينها، في وقت تتطلب فيه المنافسة العالمية انفتاحاً على قطاعات أعمق وأكثر تعقيداً.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن المغرب يمتلك أوراق قوة حقيقية. موقع جغرافي استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا، استقرار نسبي، وكتلة شبابية متزايدة الإلمام بالتكنولوجيا… كلها عناصر تجعل من المملكة أرضية خصبة لنمو الشركات الناشئة. كما أن بروز جيل جديد من المستقلين العاملين مع أسواق دولية يعزز من نقل المهارات والخبرات، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الابتكار المحلي.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في خلق الشركات، بل في قدرتها على “التحول إلى عمالقة”. وهنا تبرز إشكالية “السكالابيليتي” أو قابلية التوسع، التي لا تزال تشكل نقطة ضعف واضحة. فعدد قليل من الشركات المغربية نجح في تجاوز السوق المحلية نحو الإقليمية أو العالمية، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بمحدودية التمويل، وتعقيد المساطر، وضعف مواكبة مراحل النمو المتقدمة.
في هذا السياق، تحاول الدولة لعب دور المحفز، من خلال مبادرات متعددة مثل علامة MoroccoTech واستراتيجية Digital Morocco 2030، إلى جانب برامج تمويل ومواكبة مختلفة. كما يشكل احتضان المملكة لتظاهرات كبرى مثل GITEX Africa رسالة واضحة حول طموحها في التحول إلى منصة تكنولوجية إقليمية. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الالتقائية والنجاعة، خاصة في ما يتعلق بتبسيط الولوج إلى التمويل وتحفيز الاستثمار الخاص.
اللافت أيضاً هو بروز مؤشرات نوعية، مثل الصفقة التي حققتها شركة Yakeey سنة 2026، والتي تجاوزت 15 مليون دولار، بمشاركة International Finance Corporation، في أول استثمار رأسمالي لها بالمغرب. هذه العملية، وإن كانت استثنائية، تعكس الإمكانيات الكامنة للسوق، لكنها في الآن ذاته تبرز ندرة مثل هذه النجاحات.
في المحصلة، يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في وتيرة نمو تدريجية تبقيه ضمن خانة “الأسواق الواعدة”، أو تحقيق قفزة نوعية تنقله إلى مصاف الفاعلين الكبار. الفارق بين الخيارين لا يتعلق فقط بعدد الشركات الناشئة، بل بقدرة المنظومة ككل على إنتاج نماذج ناجحة، قابلة للتوسع، وقادرة على المنافسة خارج الحدود.
الرهان إذن لم يعد هو خلق “ستارتاب”، بل خلق “قصة نجاح”… قصة يمكن أن تُروى عالمياً باسم المغرب.
![]()





















