اعتمد المغرب في 8 أبريل 2026 الإطار الاستراتيجي لإصلاح تدبير المالية العمومية للفترة 2026-2032، كخريطة طريق جديدة تسعى إلى تجاوز محدوديات الإصلاحات السابقة والانتقال إلى نموذج أكثر تكاملاً ونجاعة. هذا الورش لا يقتصر على إعادة ترتيب أدوات الميزانية، بل يعكس توجهاً نحو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والإنفاق العمومي في سياق يتسم بضغط متزايد على الموارد وارتفاع سقف الانتظارات الاجتماعية.
التحول الذي يحمله هذا الإطار لا يكمن فقط في مضمونه، بل في منهجيته أيضاً. لأول مرة، يتم تجميع مختلف أوراش الإصلاح المالي ضمن رؤية موحدة ومندمجة، تقوم على التنسيق بين السياسات العمومية وربط الإنفاق بالنتائج الفعلية. هذا التوجه يأتي بعد سنوات من تنزيل القانون التنظيمي للمالية لسنة 2015، الذي مكن من تحسين شفافية الميزانية وتعزيز صرامة تنفيذها، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في ترسيخ ثقافة الأداء داخل دواليب القرار العمومي.
التقييمات الحديثة، خاصة تلك التي أُنجزت بشراكة مع مؤسسات دولية كبرى، كشفت أن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بمدى احترام القواعد، بل بضعف القدرة على تحويل الموارد إلى نتائج ملموسة. فالتنسيق بين الإصلاحات ظل محدوداً، والمعلومة المالية رغم توفرها لا تُستثمر بشكل كافٍ في توجيه الاختيارات، فيما تستمر اختلالات مثل تأخر تصفية الحسابات أو ضعف تكامل الأنظمة المعلوماتية في التأثير على فعالية التدبير العمومي.
الإطار الجديد يحاول معالجة هذه الثغرات عبر إعادة بناء منطق الميزانية على أساس الأداء، ليس فقط من خلال مؤشرات الإنجاز، بل أيضاً عبر قياس الأثر الحقيقي للسياسات العمومية. فالتحدي لم يعد كم تنفق الدولة، بل ماذا تحقق بهذا الإنفاق. هذا التحول يعكس وعياً متزايداً بضرورة ربط كل درهم يُصرف بأولويات واضحة، مثل تقليص الفوارق الاجتماعية، خلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات.
في المقابل، يطرح الإصلاح إشكالية التوازن بين الطموح المالي والاستدامة الاقتصادية. فرغم تحسن مؤشرات العجز خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك يبقى نسبياً في ظل اعتماد جزئي على موارد استثنائية، وهو ما يفرض تبني مقاربة أكثر شمولية لتدبير المخاطر، خاصة في سياق عالمي يتسم بعدم اليقين، وتزايد التحديات المرتبطة بالتغير المناخي والالتزامات الاجتماعية.
ومن اللافت أن هذا الورش يوسع مفهوم المالية العمومية ليشمل أبعاداً لم تكن تحظى بنفس الأهمية سابقاً، كإدماج مقاربة النوع الاجتماعي والتحديات البيئية في إعداد الميزانية، إلى جانب تعزيز البعد الترابي وربط السياسات الوطنية بحاجيات الجهات. هذا التوجه يعكس انتقال الدولة من منطق مركزي تقليدي إلى تصور أكثر شمولية يراعي تنوع الحاجيات المجالية والاجتماعية.
غير أن نجاح هذا الإصلاح سيظل رهيناً بمدى القدرة على تنزيله فعلياً، خاصة في ما يتعلق بتغيير العقليات داخل الإدارة وتعزيز التنسيق بين المتدخلين. فالتجارب السابقة أظهرت أن الإشكال في المغرب ليس دائماً في وفرة الاستراتيجيات، بل في ضعف الالتقائية بينها وصعوبة ترجمتها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
في خلفية هذا التحول، تبرز رهانات كبرى تضغط على المالية العمومية، أبرزها تعميم الحماية الاجتماعية والاستعداد لاحتضان تظاهرة عالمية بحجم كأس العالم 2030. وهي مشاريع تتطلب استثمارات ضخمة، ما يجعل من تحسين نجاعة الإنفاق العمومي ضرورة حتمية وليس مجرد خيار إصلاحي.
بذلك، يبدو أن المغرب يدخل مرحلة جديدة في تدبير ماليته العمومية، عنوانها الانتقال من منطق التحكم في النفقات إلى منطق تعظيم الأثر. غير أن هذا الانتقال، رغم طموحه، يظل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى ممارسة يومية قادرة على إحداث التغيير المنشود.
![]()





















