متابعة
كشفت نتائج “البحث الوطني حول العائلة”، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، عن تحولات بنيوية عميقة مست أنماط العيش الأسري بالمغرب، في ظل سياق ديمغرافي يتسم بتسارع الشيخوخة وتراجع حجم الأسر وتغير أشكال التعايش، إلى جانب بروز مؤشرات مقلقة مرتبطة بتنامي العائلات أحادية الوالد وما يرافقها من هشاشة متعددة الأبعاد.
وأظهرت المعطيات، المستندة إلى نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024، تقلص حجم الأسرة من 4,6 أفراد سنة 2014 إلى 3,9 أفراد سنة 2024، مقابل ارتفاع نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 16,2 بالمائة إلى 19,2 بالمائة، إلى جانب ارتفاع نسبة المسنين إلى 13,8 بالمائة مقابل 9,4 بالمائة قبل عشر سنوات، ما يطرح تحديات متزايدة أمام أنظمة الحماية الاجتماعية والرعاية الأسرية.
وسجل البحث هيمنة متزايدة لنموذج الأسرة النووية، التي تمثل حاليا 73 بالمائة من مجموع الأسر، مقابل 60,8 بالمائة سنة 1995، ما يعكس تحولا راسخا في أنماط التعايش السكني، مع تقارب لافت بين الوسطين الحضري والقروي. ويظل نموذج “الزوجين مع الأبناء العزاب” الأكثر انتشارا بنسبة 53,9 بالمائة، مع حضور أقوى في القرى.
في المقابل، برزت ظاهرة “العش الفارغ” بشكل لافت، حيث ارتفعت نسبة الأسر المكونة من زوجين دون أطفال من 3,4 بالمائة إلى 9,4 بالمائة، نتيجة مغادرة الأبناء لمنازل الأسرة، خصوصا مع تقدم الآباء في السن، إذ يمثل الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة نحو 72,8 بالمائة من أرباب هذه الأسر.
كما سجلت العائلات أحادية الوالد ارتفاعا من 7,3 بالمائة إلى 8,8 بالمائة، مع انتشار أكبر في الوسط الحضري، مقابل تراجع واضح للعائلة الممتدة من 35,2 بالمائة إلى 19,8 بالمائة، وانخفاض التعايش متعدد الأجيال من 29 بالمائة إلى 16,8 بالمائة، ما يعكس انتقال الأسر نحو وحدات أكثر استقلالية.
وأبرزت النتائج أيضا تراجعا في القرب الجغرافي بين أفراد الأسرة، حيث لم يعد سوى 45,4 بالمائة من أرباب الأسر يقيمون بالقرب من آبائهم، و46,3 بالمائة بالقرب من أمهاتهم، وهو ما أثر على طبيعة الدعم الأسري الذي أصبح يميل أكثر نحو المساعدة المالية عن بُعد بدل الدعم اليومي المباشر.
وفي ما يتعلق بالعائلات أحادية الوالد، كشفت المعطيات عن طابعها النسائي البارز، إذ تمثل النساء 90,7 بالمائة من أرباب هذه الأسر، ويرتبط ظهورها أساسا بالطلاق (58,5 بالمائة) والترمل (39,1 بالمائة)، مع اختلاف في الأسباب بين الوسطين الحضري والقروي.
وتتسم هذه الأسر بهشاشة واضحة، حيث يواجه نحو 8 من كل 10 أربابها صعوبات مالية، خاصة في القرى، فيما يصرح حوالي 62 بالمائة بتدهور مستواهم المعيشي بعد الانتقال إلى هذا النمط الأسري. كما يواجه 59,7 بالمائة منهم صعوبات في تربية الأطفال، تتجلى أساسا في اختلال التوازن العاطفي وضعف المتابعة الدراسية.
وتعكس هذه المؤشرات تحولات عميقة في بنية الأسرة المغربية، تفرض إعادة التفكير في السياسات الاجتماعية وآليات الدعم، بما يواكب التغيرات الديمغرافية ويعزز تماسك النسيج الأسري.
![]()





















