يستعد المغرب لفتح صفحة جديدة في مجال تأمين المعاملات العقارية، مع الإعلان عن دخول السجل الإلكتروني الوطني للوكالات المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يونيو 2026، بعد تأجيل تقني قصير فرضته متطلبات الجاهزية الرقمية والتكوينية. ويأتي هذا الورش بعد سنوات من الإعداد التشريعي والمؤسساتي، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية ومحاربة التزوير الذي طال هذا القطاع الحيوي.
ويشكل هذا النظام ثمرة مسار قانوني انطلق مع صدور القانون رقم 31.18 سنة 2019، والذي أقر إحداث سجل خاص بالوكالات الرسمية المرتبطة بالعقار، قبل أن يتم تأطيره تنظيمياً بموجب مرسوم سنة 2024 وتحديد نماذجه بقرار وزاري في أكتوبر 2025. ومع تحديد تاريخ الانطلاق الرسمي، تصبح مختلف محاكم المملكة مطالبة باستقبال طلبات تسجيل هذه الوكالات ضمن منظومة رقمية موحدة.
ويعتمد السجل الجديد على مبدأ بسيط لكنه حاسم، يتمثل في إلزامية تسجيل كل وكالة تتعلق بتصرف قانوني في حق عيني عقاري داخل قاعدة بيانات وطنية إلكترونية، تمنح لكل عملية معرفاً فريداً مؤرخاً وغير قابل للتلاعب. وهو ما يتيح لمختلف المتدخلين، من موثقين ومحامين وعدول ومحافظين وقضاة، إمكانية التحقق الفوري من صحة الوكالات ونطاقها القانوني، إضافة إلى تتبع أي تعديل أو إلغاء يطرأ عليها.
هذا التحول الرقمي يضع حداً لوضع سابق كانت فيه الوكالات تُحرر في وثائق ورقية دون أي تسجيل مركزي، مما فتح الباب أمام ممارسات احتيالية متعددة، من بينها استعمال وكالات ملغاة أو مزورة، أو التصرف خارج حدود التفويض، بل وحتى استغلال وكالات بعد وفاة أصحابها. ويُنتظر أن يسهم النظام الجديد في تقليص هذه المخاطر بشكل كبير، عبر ضمان تتبع دقيق لكل وكالة منذ إنشائها إلى غاية انتهاء مفعولها.
وعلى المستوى المهني، يمثل هذا السجل نقلة نوعية في طريقة اشتغال الفاعلين القانونيين، إذ سيمكنهم من إيداع وتتبع الملفات عن بعد عبر منصة مؤمنة، مع الحصول على شهادات رقمية موقعة إلكترونياً، ما من شأنه تقليص الآجال وتحسين النجاعة. أما بالنسبة للمواطنين، فيوفر النظام ضمانات إضافية لحماية حقوقهم، خصوصاً في حالات البيع أو تدبير الممتلكات، حيث يصبح من الصعب الطعن في وجود الوكالة أو التحايل عليها.
كما يندرج هذا المشروع ضمن استراتيجية أوسع لتحديث العدالة والإدارة العقارية بالمغرب، تقوم على الرقمنة وتبسيط المساطر وتعزيز الترابط بين مختلف الأنظمة المعلوماتية. ومن المرتقب مستقبلاً ربط هذا السجل بقواعد بيانات المحافظة العقارية، بما يضمن تتبعاً متكاملاً لمختلف مراحل المعاملة، من تحرير الوكالة إلى تسجيل نقل الملكية.
ورغم هذه المكاسب، لا يُتوقع أن يمر الانتقال إلى النظام الرقمي دون تحديات، إذ قد تعرف المرحلة الأولى بعض الصعوبات المرتبطة بتأقلم المهنيين وتوحيد الممارسات على الصعيد الوطني. كما يطرح غياب الأثر الرجعي للتسجيل إشكالاً عملياً، حيث ستظل الوكالات المحررة قبل يونيو 2026 خارج هذا النظام، وإن كانت ستبقى قانونية، وهو ما قد يدفع تدريجياً نحو تفضيل الوكالات المسجلة باعتبارها أكثر أماناً.
في المحصلة، يمثل إطلاق السجل الإلكتروني للوكالات خطوة مفصلية نحو تعزيز الثقة في المعاملات العقارية، حيث يجمع بين الرقمنة والحكامة القانونية في محاولة لسد الثغرات التي استغلها التزوير لسنوات، ويفتح المجال أمام بيئة أكثر شفافية وأمناً في تدبير الملكية العقارية بالمغرب.
![]()














