نجيبة جلال
ليس من طبيعة مهنة المحاماة أن تُمارَس خارج فضائها الطبيعي. فالأصل أن الترافع يتم داخل المؤسسات، وبالوسائل التي يتيحها القانون، ووفق الضوابط التي تؤطر العلاقة بين أطراف الدعوى، بما يضمن التوازن بين الحقوق والواجبات.
في هذا السياق، يثير ما صدر عن محامي أسرة الشاب عمر جملة من الملاحظات التي لا يمكن تجاوزها باعتبارها مجرد تعبير عن موقف. ذلك أن الانتقال من منطق المناقشة القانونية إلى منطق التشكيك العلني، عبر وسائط التواصل، يطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود الدور المهني، وحول طبيعة الأدوات التي يُفترض اعتمادها في مثل هذه القضايا.
فالقانون، حين يقرّ بحق الطعن، إنما يحدد له مسارات دقيقة، تبدأ من عرض الدفوع أمام الجهات المختصة، وتمتد عبر درجات التقاضي، حيث تُناقش الحجج وتُفحص الأدلة. أما نقل هذا النقاش إلى الفضاء العام، بصيغ توحي أكثر مما تُثبت، فإنه لا ينسجم مع فلسفة الترافع، ولا مع تقاليد المهنة.
كما أن التشكيك في بلاغ صادر عن مؤسسة قضائية، بصيغة ملتبسة، لا يمكن فصله عن أثره على الثقة العامة في العدالة. ذلك أن البلاغات الرسمية ليست مجرد مواد للتأويل، بل هي امتداد لعمل مؤسساتي مؤطر، يخضع بدوره لمقتضيات قانونية ومسطرية واضحة. وأي اعتراض عليها، يفترض أن يُبنى على عناصر دقيقة، وأن يُطرح في إطاره القانوني السليم.
ثم إن مناقشة محاضر الشرطة القضائية، بدورها، ليست مجالًا للانطباعات أو التعليقات العامة، بقدر ما هي مسألة إثبات قانوني، يخضع لقاعدة جوهرية مفادها أن المحضر يكتسب حجيته إلى أن يثبت العكس. وهذا الإثبات لا يتم إلا عبر وسائل محددة، تقوم على الأدلة والقرائن، لا على الخطاب العابر.
من هنا، فإن ما وقع لا يتعلق فقط بأسلوب التعبير، بل يمسّ في العمق تمثلات المهنة وحدودها. فالمحامي، بحكم موقعه، ليس فاعلًا خارج المنظومة، بل جزء منها، وهو ملزم، أكثر من غيره، باحترام توازناتها، وبالاحتكام إلى قواعدها، حتى في حالات الاختلاف أو الاعتراض.
إن النقاش حول القضايا المعروضة أمام القضاء حق مشروع، لكن شرطه أن يظل داخل الأطر التي يحددها القانون، وأن يُمارس بالأدوات التي تضمن جديته ونجاعته. أما الخروج عن هذه الأطر، فإنه لا يخدم القضية، بقدر ما يفتح الباب أمام خلط الأدوار، ويضعف منسوب الثقة في المؤسسات.
وفي النهاية، تبقى مهنة المحاماة قائمة على مبدأ أساسي: الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن احترام القانون، بل يستمد مشروعيته منه. وكل ممارسة تُبعدها عن هذا الأصل، تطرح، بالضرورة، سؤال التوازن بين الحرية المهنية ومسؤولية الانتماء إلى منظومة العدالة.
![]()














